الـ «واتساب».. والمركزية

هرمنا ونحن نطالب المسؤولين بإدخال التقنية في وزاراتهم. لا يعلم كثيرون أن أكبر أعداء الحوسبة هم من المسؤولين في الإدارات العليا, بل إن الحماس الذي أراه كل يوم من مستويات الإدارات المتوسطة يقابله رفض في الإدارات الأعلى التي تخشى أن يتغير الحال, وتنتهي السرية, وتصبح المعاملات جزءا من جلسات الشاي الصباحي في الوزارة تتناقلها الأصابع وتحولها من مجموعة لأخرى.
فات الأحباب أن المعاملات السرية للغاية تمر على السكرتير الذي يراجعها والناسخ الذي يكتبها والمراسل الذي يوصلها للتوقيع ثم موظف الصادر الذي يغلفها, لتنتقل في الجهة الأخرى لموظف الوارد الذي يفتحها ويسجلها ويرسلها في الدورة نفسها حتى تصل للجهة ذات العلاقة بعد أن قرأها أكثر من 20 شخصا في الجهتين ثم يصورها أحدهم ويرسلها لصديقه. عذر السرية هذا لم يعد له مكان.
تشرف الأمور على المزيد من المركزية والبيروقراطية بعد أن بدأ أصحاب السعادة في تبني التقنية والتواصل مع مكاتبهم عن طريق الواتساب, فيصور السكرتير المعاملات ويبعثها للرئيس الذي يحدد معالم دورتها في الإدارة. هذا ما يحدث بالضبط مع المسؤول الذي يحاول أن يحافظ على سيطرته حتى وإن غاب في حفل أو اجتماع أو مهمة.
تحول الواتساب إلى حامي البيروقراطية والمركزية الأكبر, مع مهمته الأخرى التي تتلخص في إغضاب الآخرين, وترك الانطباع لديهم أن المسؤول لا يكترث بما يحدث, وإنما يحضر لمجرد أداء الواجب ليس إلا.
الواتساب سيدفع بقوة لمحاربة الحكومة الإلكترونية, فما دامت هناك وسيلة لمتابعة كل ما يدور في الإدارة بغض النظر عن مكان وجود المسؤول, فلماذا ننفق الأموال على البرامج والأجهزة التي تؤدي المهمة نفسها.
تتجاوز الحكومة الإلكترونية مجرد متابعة المعاملات والسيطرة على الوضع داخل الإدارة, إلى إنشاء عمل مؤسسي يمارس فيه كل عضو دوره دون أن تكون هناك قيود على تحقيق مصالح الناس. نضمن بهذا أداء الخدمة بمستوى عال, ومعرفة مستويات الأداء, وكفاءة المنظومة بشكل علمي دقيق.
أطالب كل من يقيم مؤتمرا أو يدعو إلى حفل بأن يمنع دخول الهواتف الذكية التي تحول الجميع إلى عناصر متباعدة فكريا حتى وإن وجدت في المكان نفسه. يمكن عندها أن يحصل الآخرون على الفرصة لأداء أعمالهم, ونضمن أن يتعرف الحاضرون على بعضهم ويتبادلوا خبراتهم وينسقوا جهود وزاراتهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي