ما الذي يعنيه انخفاض أسعار النفط للدول المصدرة؟

لم تؤثر أسعار النفط المنخفضة إلا بصورة محدودة حتى الآن في النمو في البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، ولكنها سببت خسائر كبيرة في أرصدة المالية العامة والحسابات الخارجية. وهناك بلدان كانت من الحكمة حيث كونت هوامش احتياطية في ماليتها العامة وبدأت الآن تستخدمها لدعم النشاط الاقتصادي، ولكنها ستحتاج في القريب إلى صياغة خطط شاملة لوضع ماليتها العامة على مسار أكثر ثباتا على المدى المتوسط. كذلك ينبغي أن يكثف صناع السياسات جهودهم لتنويع النشاط الاقتصادي من أجل إعطاء دفعة للاقتصاد غير النفطي. لنبدأ بما حدث بالضبط في أسواق النفط على مدار الـ 15 شهرا الماضية). شهدت أسعار النفط هبوطا حادا في النصف الثاني من عام 2014 – حيث بلغ سعر برميل النفط 110 دولارا ت في يوليو 2014، ولكنه وصل إلى أقل من 50 دولارا بحلول منتصف أكتوبر 2015. والأكثر من ذلك أن الأسعار يتوقع أن تظل دون تغير، حيث تتنبأ العقود المستقبلية لعام 2020 بأن تتجاوز هذه الأسعار بالكاد 60 دولارا. وتتضمن مدونة الصندوق ومذكرة نقاشات مختصي الصندوق توثيقا جيدا لديناميكية العرض والطلب التي تحدث هذه التطورات في أسعار النفط. غير أننا نركز في هذه التدوينة على تأثير انخفاض أسعار النفط في البلدان المصدرة للنفط في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان.
ينطوي انخفاض أسعار النفط على خسارة فادحة قدرها 360 مليار دولار في إيرادات تصدير النفط لعام 2015. وتشير توقعات مختصي صندوق النقد الدولي بالنسبة للمالية العامة إلى تسجيل عجز مالي سنوي في الفترة من 2015 إلى 2020 في كل من مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي ومجموعة الدول غير الأعضاء في المجلس (كما يشير تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي لعام 2015 الصادر عن إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى). وحتى مع افتراض إجراء بعض التدابير المخفضة للعجز، يتوقع أن تصل احتياجات التمويل التراكمية بين عامي 2015 و2020 إلى تريليون دولار بالنسبة لـ 11 بلدا.
وكخط دفاع أول، استخدمت البلدان الهوامش الوقائية التي تتيحها المالية العامة للحد من أثر تراجع أسعار النفط في النمو، إذ إن الإيرادات النفطية تمثل دافعا للإنفاق العام، ما يمثل دافعا أساسيا أيضا للنمو غير النفطي. غير أن ذلك لا يعتبر استراتيجية قابلة للاستمرار، حيث تشير توقعات مختصي الصندوق إلى أن هذه الهوامش الوقائية سوف تنفد في غضون عشر سنوات في معظم البلدان المصدرة للنفط – مع استثناءات بارزة هي الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة. وسيتعين أيضا إعادة بناء الهوامش الوقائية في المالية العامة على المدى المتوسط، للتعامل مع أي صدمات في المستقبل (رغم تحقيق معظم البلدان بعض التقدم في وضع خطط للتكيف على المدى المتوسط، فإن هذه الجهود لا تزال غير كافية لوضع المالية العامة على مسار سليم.
وسوف ينخفض جزء من العجز عن طريق الإلغاء التدريجي للنفقات غير المتكررة من السنوات السابقة، إضافة إلى انخفاض التكاليف التي تتحملها المالية العامة للحفاظ على أسعار الطاقة المحلية في مستوى أقل من المستويات الدولية. وفي العام الحالي، نجد أن أثر التدابير النشطة الرامية إلى ضبط أوضاع المالية العامة، مثل رفع الضرائب وتخفيض الإنفاق (كأن يتم تخفيض الاستثمار أو تجميد تعيين العمالة أو إصلاح سعر الطاقة) يعادل نقطة مئوية واحدة فقط من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي في الجزائر والكويت والعراق وقطر والإمارات العربية المتحدة. وقد وفرت المملكة العربية السعودية دفعة تنشيطية مالية في عام 2015 في ظل برامج الإنفاق الكبيرة من المالية العامة. ومن المشجع أن عدة بلدان، مثل إيران والكويت والإمارات العربية المتحدة أدخلت إصلاحات في تسعير الطاقة ما سيؤدي إلى وفورات في المالية العامة على المدى المتوسط أيضا. ويجري النظر في تدابير إضافية لتحقيق وفورات في معظم البلدان. غير أن البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان ككل لم تفصح بشكل واضح بعد عن خططها للمدى المتوسط.
ينبغي الإفصاح الواضح في أسرع وقت ممكن عن الخطط المزمعة لتصحيح الأوضاع على المدى المتوسط – بما في ذلك وضع أهداف واضحة للسياسات وسيناريوهات الطوارئ. وأفضل ما يمكن أن يخفض أي آثار اقتصادية واجتماعية معاكسة هو وضع سياسات عادلة ومواتية للنمو يتم تطبيقها تدريجيا مع الوقت. وأهم عناصر هذه الخطط ما يلي:
• زيادة الإيرادات غير النفطية بشكل عاجل. ويمكن أن يتضمن ذلك توسيع القواعد الضريبية، وزيادة تصاعدية لضريبة الدخل، والتوسع في استخدام ضريبة القيمة المضافة، ورفع ضرائب الممتلكات (راجع مذكرة مناقشات مختصي الصندوق). • التركيز على تخفيض النفقات الجارية،. وهناك مجال لتحقيق ذلك نظرا لارتفاع الأجور، والنفقات الإدارية والأمنية على مدار العقد الماضي مع الحرص على حماية النفقات الاجتماعية الضرورية. • العمل على إجراء مزيد من الإصلاحات في أسعار الطاقة. • ترشيد الاستثمار العام، مع زيادة كفاءته (كما ورد في هذه المذكرة عن مناقشات مختصي الصندوق).
ويمكن تخفيف عبء الضبط المالي من خلال سياسات أخرى. فعلى سبيل المثال، سمحت إيران والجزائر بانخفاض سعر الصرف، ما خفف الحاجة إلى ضبط أوضاع المالية العامة عن طريق رفع حصيلة العملة المحلية من مبيعات النفط. غير أن هذه الآلية لا تنطبق على دول مجلس الخليج العربي – نظرا لعدم تنوعها ومن ثم ترجيح أن يكون أثر تغييرات سعر الصرف في النمو والأرصدة الخارجية أثرا لا يذكر. وينبغي لدول مجلس التعاون الخليجي أن تحتفظ بأسعار صرفها الثابتة، مع دعم عملية التكيف على مستوى المالية العامة والحسابات الخارجية عن طريق التبكير بوضع خطط ملائمة لضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط.
مع معاناة صناع السياسات في سعيهم لمعالجة عجز الميزانية الكبير، ستؤدي التدابير الرامية إلى تحقيق وفورات في الميزانية إلى إبطاء وتيرة النمو وإيجاد فرص العمل في القطاع العام. وفي الوقت نفسه، من المتوقع دخول نحو عشرة ملايين نسمة إلى سوق العمل في البلدان المصدرة للنفط في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان مع نهاية هذا العقد، ما يؤكد الحاجة إلى زيادة تنويع النشاط في القطاع الخاص. وتتضمن التوصيات المطروحة لتحقيق هذا الهدف زيادة تحسين مناخ الأعمال، وزيادة الحوافز الدافعة للعمل في القطاع الخاص أمام المواطنين، والتقريب بين مهارات العاملين ومتطلبات القطاع الخاص عن طريق تحسين جودة التعليم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي