منظمة التجارة العالمية بين يديك الحلقة (54)
المفاوضات الثنائية بشأن النفاذ للأسواق في قطاعي السلع والخدمات
قطاع السلع الزراعية والصناعية
تُعرَّف هذه القطاعات في أروقة منظمة التجارة العالمية بأنها السلع والمنتجات التي تستخدم من قبل المصدرين والموردين في تجارة السلع الزراعية Agricultural Goods، والسلع الأخرى التي يطلق عليها رسمياً اسم المنتجات غير الزراعية Non Agricultural Products.
ولقد التزمت جميع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية باستخدام النظام الجمركي المنسق Harmonized System، الصادر عن الاتفاقية الدولية لمنظمة الجمارك الدولية World Customs Organization، المبرمة في مدينة بروكسل بتاريخ 14 تموز (يوليو) 1987م والتعديلات الطارئة عليها، الذي كان آخرها في منتصف عام 2002م. ويختص هذا النظام المنسق بوصف وتبويب السلع الزراعية والمنتجات غير الزراعية. ويحتوي على 97 فصلاً جمركياً تضم 7559 سلعة، يطلق عليها اسم بنود التعرفة الجمركية Tariff Items أو Tariff Lines، منها 1168 تختص بالسلع الزراعية و6391 تختص بالمنتجات غير الزراعية.
وحيث يشكل قطاعا السلع الزراعية والمنتجات غير الزراعية، إضافة إلى قطاع الخدمات، السوق المثالي الذي ترغب الدول الأعضاء في المنظمة النفاذ إليه بشروط واضحة وقيود شفافة دون تمييز يذكر بين المنتجات المحلية والمستوردة وضمن أحكام اتفاقيات المنظمة وملاحقها التي التزمت بها الدول الأعضاء وفقاً لمبدأ تبادل المنافع والالتزامات، فإنه من الضروري استعراض الوضع الراهن لقطاعي الزراعة والصناعة في العالم العربي ليتسنى للدولة العربية المستجدة وضع خطة استراتيجية مدعمة بالأرقام والحقائق تساهم في إعداد استراتيجية المفاوضات الثنائية الخاصة بالنفاذ للأسواق في هذين القطاعين.
يعتبر القطاع الزراعي من أهم القطاعات الإنتاجية في دول العالم، خاصة في الدول النامية ومنها الدول العربية، حيث تراوح مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من 4 في المائة إلى 28 في المائة طبقاً لاعتماد الدول على هذا القطاع ودورها في دعمه ورعايته. كما يعتبر هذا القطاع الأساس في تحقيق الأمن الغذائي لهذه الدول وتوفير فرص العمالة في مجمعاتها الريفية، لذلك لا بدَّ من دراسة الوضع الراهن للقطاع الزراعي في الدولة المستجدة ومدى تأثره الإيجابي أو السلبي، نتيجة المنافسة العاتية التي سيواجهها لدى نفاذ السلع الأجنبية إلى أسواقه بعد انضمام هذه الدولة إلى منظمة التجارة العالمية، وتعتمد هذه الدراسة على توفير المعلومات الخاصة بقدرة هذا القطاع على تحقيق المعطيات التالية:
1 ـ معدلات نمو سنوية جيدة في زيادة المحاصيل الزراعية التي تتناسب إلى حد كبير مع معدلات النمو السكانية.
2 ـ مساهمة العمالة الوطنية الزراعية من إجمالي العمالة.
3 ـ نسبة انخفاض الواردات الزراعية ومدى قدرة الناتج الوطني في الإحلال وتبني القدرة على تصدير الفائض.
4 ـ إيجاد التوازن بين الأمن المائي والغذائي، في الدول العربية التي تفتقر إلى المياه عـن طـريق:
أ ـ تخفيض إنتاج القمح والشعير بحيث لا يتجاوز الاستهلاك المحلي.
ب ـ تخفيض القروض الزراعية وتقليص المساحة الزراعية للحبوب.
ج ـ زيادة المساحة الزراعية للخضراوات والفواكه.
د ـ تقييد تصدير الأعلاف للحد من الرعي الجائر ومكافحة التصحر.
هـ ـ الاهتمام بالثروة السمكية كرافد من روافد الأمن الغذائي.
5 ـ تخفيض مقدار الدعم الزراعي المحلي Aggregate Measures of Support، الذي توفره الدولة لهذا القطاع، والتعرف من كثب على أنواع الدعم المتاحة. وهل هو من النوع المحظور طبقاً لاتفاقيات المنظمة أو مسموح به مثل الدعم الحكومي للأبحاث والدراسات والتطوير. وهل هو مرتبط بمنتجات زراعية محددة مثل الدعم الإنتاجي للقمح، الشعير، الذرة، الدواجن، المواشي، ومنتجات الألبان أم أن هذا الدعم غير مرتبط بمنتجات معينة مثل دعم شراء الآلات، المعدات الزراعية، المضخات، والقروض الزراعية؟
6 ـ مدى تطابق لوائح التدابير الصحية والصحة النباتية المطبقة في الدولة المستجدة، بما فيها متطلبات المواصفات والمقاييس، مع اتفاقيات المنظمة ذات الصلة.
7 ـ تأثير الأوضاع المناخية والعوامل غير الملائمة للتجهيزات الأساسية مثل النقل وظروف المناولة والتخزين في المناطق النائية في المواد الغذائية سريعة العطب Perishable Food، بهدف إصدار الأدلة الفنية اللازمة، واستخدامها في تحديد فترات الصلاحية المفروضة على مثل هذه المواد الغذائية المستوردة والمنتجة محلياً بالتساوي.
8 ـ كيفية تثبيت السقوف الجمركية عند مستوى يحمي المنتج الوطني من نظيره المستورد، ويؤدي إلى توافره محلياً لتحقيق الأمن الغذائي والتنمية الريفية، وتوزيع بنود السلع الزراعية (الإطار رقم 4-5) طبقاً لحساسيتها من النواحي التشريعية، الإيرادية، الصحية، الأمن الغذائي، والتنمية الريفية.
أما بالنسبة للقطاع الصناعي فهو القطاع الاقتصادي الآخر الذي لا يقل أهمية عن القطاع الزراعي في الدول العربية، حيث تراوح مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من 5 في المائة إلى 17 في المائة طبقاً لاعتماد الدولة على هذا القطاع وتنميته ودعمه ورعايته لكي يقف على قدميه وينافس المنتجات الصناعية المماثلة المستوردة لدى انضمام هذه الدولة للمنظمة وفتح أسواقها للمنافسة، إضافة إلى ضرورة تحديد الأهداف الاستراتيجية المنظورة وغير المنظورة للدولة التي تؤمن بأن الصناعة، ليست فقط من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي وإحلال المنتج الوطني مكان الواردات المماثلة وإنما لمضاعفة القيمة المضافة المحلية وتوطين العمالة ونقل التقنية واستغلال الميزة النسبية وزيادة الصادرات للاستفادة من مبادئ المنظمة لدى انضمامها لها، لذا فإن دراسة هذا القطاع تعتمد في المقام الأول على توافر المعلومات التالية:
1 ـ أعداد المصانع المنتجة وإجمالي التمويل منها ونسبة العمالة الوطنية من إجمالي العاملين في القطاع الصناعي من جهة وإجمالي العمالة في كل القطاعات الاقتصادية من جهة أخرى.
2 ـ قيمة الصادرات الصناعية ونسبة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.
3 ـ الميزات النسبية أو التنافسية المتوافرة للصناعات المحلية.
4 ـ حصيلة الرسوم الجمركية المطبقة على الواردات من السلع الصناعية وكيفية تثبيت السقوف الجمركية عليها عند مستوى يحمي المنتج الوطني اللازم توافره لتحقيق التنمية الصناعية.
5 ـ توزيع بنود السلع الصناعية، أي المنتجات غير الزراعية، بناء على حساسيتها الإيرادية وفئاتها القطاعية المدرجة في اتفاقيات المنظمة (الإطار رقم 4 - 6).
6 ـ مقدار الدعم الحكومي المحلي Government Subsidies، الذي تقدمه الدولة لتشجيع الاستثمار والحوافز الصناعية والإعانات العامة المتوافرة تحت غطاء مبدأ المعاملة الوطنية وعدم التمييز بين المستثمرين الأجنبي والوطني.
7 ـ القواعد المطبقة على الصادرات وتحديد السلع الممنوع تصديرها أو السلع المقيد تصديرها وتوضيح أسباب المنع والتقييد.
8 ـ تراخيص الاستيراد المفروضة على الواردات مع تحديد أسباب إلزام المستوردين للحصول على هذه التراخيص.
9 ـ لوائح التثمين الجمركي اللازمة لتحديد القيمة الواجب التصريح عنها للأغراض الجمركية Customs Valuation، على أنها الثمن الحقيقي المدفوع فعلاً أو المتفق على دفعه للسلعة المستوردة معبأة وجاهزة للشحن في ميناء التصدير مضافة إليها النفقات الخارجية المتعلقة بالسلعة حتى تسلمها في الدولة المستوردة.
10 ـ العوائق الفنية أمام التجارة Technical Barriers to Trade، بما فيها المواصفات والمقاييس Standards and Specifications، وشهادات المطابقة المفروضة على السلع المستوردة Conformity Certificates، وبرامج الفحص قبل الشحن Pre-Shipment Inspection.
قطاع الخـدمات
على الرغم من الأهمية الكبرى لقطاع الخدمات في التجارة الدولية إلا أن التجارة في حقل السلع استحوذت على اهتمامات العالم، وسيطرت على الجولات المتتالية لمفاوضات التجارة الدولية متعددة الأطراف، منذ إبرام اتفاقية "الجات47" في الأول من كانون الثاني (يناير) 1948م، التي اقتصرت على التجارة في السلع، ولم ترد فيها أي إشارة إلى التجارة في الخدمات، حيث كان ينظر إليها على أنها غير قابلة للاتجار.
وخلال العقدين الماضيين اكتسب هذا القطاع أهمية متزايدة في الاقتصاد الدولي، وترتب على ذلك إدراجه على جدول أعمال جولة أورجواي لمفاوضات التجارة العالمية التي انطلقت في عام 1986م، حيث أبرم لها بعد سبع سنوات من المفاوضات الشاقة اتفاقية مستقلة أصبحت تعرف باتفاقية التجارة في الخدمات GATS، وبدأ تطبيقـها تحت مظلة منظمة التجارة العالمية مع بداية عام 1995م. وقد أدى الاتفاق على قواعد تحرير تجارة الخدمات بموجب هذه الاتفاقية، إضافة إلى التطور المتسارع في تقنية المعلومات وخدمات الاتصالات، إلى سرعة نمو هذا القطاع حتى أصبح يمثل في عام 2005م نحو 40 في المائة من الناتج العالمي الإجمالي و70 في المائة من إجمالي الناتج المحلـى في الدول الصناعية و50 في المائة من إجمالي الناتج المحلى في الدول النامية. وتمثـل التجارة العالمية في الخدمات بنهاية 2005م نحو 24 في المائة من إجمالي حجم التجارة العالمية من سلع وخدمات التي غدت تساوي 12.5 تريليون دولار أمريكي، حيث بلغت قيمة الصادرات العالمية من الخـدمات في أواخر عام 2005م نحـو 2.4 تريليون دولار أمريكي.
تقوم الدولة الساعية للانضمام بتقديم جداول عروض الخدمات طبقاً للأوضاع السائدة في هذه الدولة، وذلك كأساس يوضح ما هو قائم وما يجري تطبيقه حالياً في أسواق هذه الدولة ونطاق التغطية السائدة على النشاطات وأساليب النفاذ إليها والشروط والقيود المنظمة لذلك. وتدعى هذه الجداول بالعروض السائدة في قطاع الخدمات ACC5، وترفق طيها الأنظمة واللوائح التجارية والاستثمارية المطبقة، التي تعكس الوضع الحالي المطبق في أسواق الدولة، حيث تقوم الدول الأعضاء باستخدامها للمقارنة بما تقدمه الدولة الراغبة في الانضمام من عروض أولية للتعرف على مدى تفاوت الالتزامات والتعهدات المعروضة مع ما هو مطبق حالياً.