تغيّر المناخ .. وجه آخر لفشل الحضارة الغربية

تغيّر المناخ .. وجه آخر لفشل الحضارة الغربية
تغيّر المناخ .. وجه آخر لفشل الحضارة الغربية

تتجه الأنظار مرة أخرى إلى عاصمة الأنوار باريس، في محاولة لإشعال شمعة، لا لبث الظلام والخوف، لمتابعة مجريات الدورة 21 لقمة المناخ التي يجري التحضير لها منذ عدة أشهر. قمة عالمية تأتي ضمن سلسلة قمم سابقة تنظم تحت رعاية الأمم المتحدة كانت الأولى في البرازيل والمقبلة ستكون في المغرب، قمم يعلق عليها الخضر وأنصار البيئة كثير من الآمال للمضي قدما في الملفات الكبرى التي تجعل مستقبل هذا الكوكب على كف عفريت.

ما وراء الستار
ندع جانبا القمة بما لها وما عليها، وما فيها من تفاصيل جدول الأعمال وأجندات الدول المشاركة، وما يترتب عنها من صراعات ومعارك ما رواء الستار، ونلقي أولا إطلالة قصيرة على ما يعرف بـ "الفكر الإيكولوجي" أو "الفلسفة البيئية" قبل التعريج على مجريات 12 يوما السارية من التفاوض، بمجموع حضور يقدر أن يصل طوال أيام المؤتمر إلى ما يقارب نصف مليون شخص، في حديقة المعارض في ضاحية بورجيه شمال باريس، وهذا ما سيخلف كمية من انبعاثات الغازات الدفيئة تقدر بنحو 21 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون.
بدءا نقول إن الفكر الإيكولوجي المعاصر مؤثث بعدة نظريات متفرقة، تصل حد التعارض في بعض الأحيان، لكنها على الرغم من تلكم الاختلافات تبقى وفيا لخيط ناظم بينها أساسه الدافاع عن تفسير "ثقافي" و"أخلاقي" للأسباب الكامنة وراء التدهور الشامل للمحيط البيئي.
ويعرف علم البيئة - وفق كاترين لارير Catherine Larrère - كعلم حديث النشأة تعود بداياته إلى القرن 19، يقدم منسوبا مهما من المعارف الضرورية لسياسة تركز على المجال الحيوي وما يتصل به من تنمية مستدامة وحماية للطبيعة وحفظ التنوع البيولوجي. بصفة عامة، وحسب البروفيسور المغربي جمال بامي، يتيح لنا علم البيئة إدراك العلائق المعقدة التي تسود الطبيعة ضمن تصور نسقي أو شمولي holiste بما يعني مجموعة أجزاء متداخلة فيما بينها تجمع بين الحيوي biotique والجامد abiotique لتشكل دوائر تأثير تؤدي إلى نشوء خصائص جديدة.

زعزعة قيم الديمقراطية
موازاة مع إمعان الإنسان في غيه واستمرار مسلسل تدمير البيئة، تزداد حركات الخضر ونشطاء البيئة وكذا الفلاسفة والمنظرون في هذا المجال، ضمن هذا السياق بزر فيلسوف الفكر البيئي الألماني وتلميذ هايدغر هانس جوناس Hans Jonas الذي قام بزعزعة القيم الديمقراطية باقتراحه حلولا سلطوية تحد من الحريات الفردية حينما تشكل هذه الأخيرة خطرا على استمرار البشرية، إنه فيلسوف مزعج لكنه شديد الواقعية. 
يقول جوناس هذا أحد كتبه المثيرة للجدل - الذي يهد فيه جملة من البديهيات - الموسوم بعنوان "مبدأ المسؤولية؛ أخلاق من أجل مجتمع ديمقراطي" (1995) "إننا نحتقر المجتمعات غير المنظمة في العالم الثالث؛ لأنها لا تحترم حقوق الإنسان، لكننا نقترف دون أن تكون لدينا الشجاعة للاعتراف بذلك وفي كثير من الأحيان دون وعي، جرما كبيرا على المستوى الكوني. إن العقلانية التي نعتقد أنها قلادتنا تتلاشى -بمقاييس كانط-؛ لأن نمط عيشنا ليس ذا بعد عالمي وليس قابلا أن يتبنى على المستوى العالمي؛ إن نمط عيشنا اللاعقلاني مصيره أن يدمر نفسه بنفسه؛ وإذا لم نوقف سباقنا نحو الانهيار، فإن الأجيال المقبلة ستكرهنا لارتكابنا الخطأ الأكبر الجسيم وهو تدمير الغلاف الحيوي".
أدرك الإنسان أخيرا أنه يعيد إنتاج نفسه عبر أفعاله في الطبيعة، كما أن التكنولوجيا تفعل فيه فعلها بعمق على المستوى الجسدي والنفسي والثقافي؛ إذ كل أفعاله اليوم لها تأثير ممتد في إنسان المستقبل الذي سيكون كما رسمنا له نحن سلفا جراء أفعالنا. وبما أننا اليوم نسيء الصياغة اليوم "بمعنى صياغة الظروف المستقبلية التي ستحتضن وجوده" فإننا نكون بذلك قد وضعناه أمام طريق ذي اتجاه واحد، وسيكون من المستحيل عليه تفكيك وجوده وإعادة تركيبه وفق رغباته هو مهما اتسع إدراكه وارتقت همته وإرادته.

أبعاد جديدة للمسؤولية
إن سلسلة الحياة تمر اليوم عبرنا، وباللا معنى الذي يسود حياتنا وعبر أنانيتنا نقوم بشل حركتها؛ بهذا المعنى نصبح مسؤولين عن الأجيال القادمة. يخلص الفيلسوف جوناس إلى القول "إنه خلال التاريخ البشري وتاريخ الحياة فوق الأرض لم تكن البشرية محملة بهذه الرسالة مثلما نحن اليوم". وبذلك يصل بنا هذا الفيلسوف إلى مستوى فكري تتغير فيه أبعاد مفهوم المسؤولية.

#2#

بعيدا عن الرؤى الفلسفية والفكرية المتنوعة الجادة التي تسعى إلى مقاربة الموضوع مقاربات معرفية قوامها مسؤوليتنا المشتركة تجاه الأجيال القادمة، نجد واقع الحال منذ قمة البرازيل 1992 مرورا بكيوطو وصولا إلى قمة باريس على حاله دون تقدم حقيقي في مسار المفاوضات الجارية بين الدول، لاعتمادها أسلوب الإقناع بدل الإلزام. أي إقناع قادة العالم بأن الحياة مهددة على الأرض، وأن الجري وراء النمو والتنافس والتصنيع والإنتاج لا يتعارض مع الاقتصاد الأخضر، لكن مع بذل مجهود أكبر، ودفع فاتورة أغلى، والوعي بأن الربح السريع خسارة مؤجلة.
نعم إنها الحقيقة المرة، إذ كيف يمكن إقناع دول أمريكا والصين والهند والبرازيل وغيرها بالفوضى البيئة التي نعيشها في وقت تقدس فيه الربح والمادة والمال والمتعة والغريزة دون حدود ودون تفكير في حقوق الآخرين، وحقهم في البيئة المشتركة، فالشركة التي تعمل في تكساس على استغلال حقول النفط منذ قرن لا ترى أن إضرارها بالبيئة والمناخ يغرق ملايين البنجلادشيين بسبب الفيضانات والسيول القاتلة.
هو إذن مظهر آخر من مظاهر فشل الحضارة الغربية التي تدعي أنها إنسانية، ينضاف إلى أخرى وجب علينا الوعي بها يقينا. ومنها لزوم إدراك أن الموارد الطبيعية فوق الأرض غير كافية لاستمرار نمط العيش المهيمن اليوم على الثقافة الاستهلاكية على النمط الأمريكي أو الأوروبي. وعليه فالشعوب بحاجة إلى مصالحة أنماط عيشها الخاصة والبحث عن صيغ للتطور الإيجابي وللاقتصاد الأخضر المتصالح مع البيئة. وختاما نردد المثل الفرنسي القائل "لا تشرب الماء في بلد متخلف، ولا تستنشق الهواء في بلد متقدم".

الأكثر قراءة