الخيال .. حريتنا الوحيدة

الخيال .. حريتنا الوحيدة

كان "القبر" زنزانة يبلغ طولها ثلاثة أمتار وعرضها متر ونصف أما سقفها فوطئ جدا يراوح ارتفاعه بين مائة وخمسين ومائة وستين سنتيمترا. ولم يكن بإمكاني أن أقف فيها.
***
طوال ساعة أو أقل، أبقيت عيني مفتوحتين، وفمي فاغرا، كي أتجرع ما أمكن من الضوء، كي أستنشق الضياء وأختزله في داخلي، وأحفظه ملاذا لي فأستذكره كلما أطبقت العتمة ثقيلة فوق جفني، أبقيت جذعي عاريا كي يتشبع جلدي بالضوء ويختزنه كأثمن ما يقتنى.
***
أحلم بأن أسمع كلمات، بأن أدخلها في رأسي، وأكسوها بالصور وأجعلها تدور كدولاب مدينة الملاعب وأضن بها وأستذكرها عندما أشعر بالألم، عندما يستبد بي الخوف من الجنون. هيا، لا تكن مقترا، احك، اخترع إذا ما شئت ولكن امنحنا شيئا من مخيلتك.
***
أن نعمر الأشياء مجددا كأن الحفرة لم تكن هي القبر، ذلك كان قوام نضالنا، المتصل، الدؤوب، المعاند. ألا نستسلم. ألا نفكر لا في جلادينا ولا فيمن خطط ورسم مسبقا أدق تفاصيل السبيل الذي سيسلكه الموت، متباطئا، متباطئا جدا، إلى أن ينتزع أرواحنا دمعة تلو دمعة، كيما يحل العذاب في الجسد ويخمد ناره وئيدا حتى الانطفاء الكلي.
***
عندما أتذكر .. ما عدت أخشى الموت من الحنين. حتى إني لم أعد لم أعد محتاجا إلى إحراق الصور وإعادة ترتيبها. صرت أقوى من اختبار الدموع الذي يفضي إلى نفق آخر. أرى إلى ذكرياتي كأنها ذكريات شخص آخر. ولست، أنا سوى دخيل متلصص.

***
فلسوف أكون من الناجين ما دامت لي القدرة على الصلاة وعلى التواصل مع الخالق. لقد بلغت أخيرا عتبة الأبدية، هناك حيث لا وجود لحقد البشر وخستهم وصغاراتهم. هكذا بلغت، أو كنت أعتقد أني بلغت، وحدة سامية، تلك التي ترتقي بي فوق الظلمات وتبعدني عن المتجبرين على كائنات ضعيفة. ما عاد في صدري لأنين. لقد أحيلت جميع أعضاء جسمي كلها إلى الصمت، إلى شكل من أشكال السكون الذي لم يكن تماما هو الراحة، ولا الموت.
***
الشيء الوحيد الذي تمكنت من المحافظة عليه هو رأسي، عقلي. كنت أتخلى لهم عن أعضائي، ورجائي ألا يتمكنوا من ذهني، من حريتي، من نفحة الهواء الطلق، من البصيص الخافت في ليلي. ألوذ بدفاعاتي متغافلا عن خطتهم. تعلمت أن أتخلى عن جسدي. فالجسد هو ذلك المرئي. كانوا يرونه، ويستطيعون لمسه وبضعه بنصل محمى بالنار، بإمكانهم تعذيبه، وتجويعه، وتعريضه للعقارب، للبرد المجمد، غير إني كنت حريصا أن يبقى ذهني بمنأى عنهم. كان قوتي الوحيدة.

الأكثر قراءة