أسطورة عن كرة القدم .. الخاسر يُقدَّم قربانا للآلهة
كرة القدم، هذه الرياضة الشعبية الأولى في العالم المعاصر، تحولت إلى تجارة لا تبور، وصناعة استهلاكية وسوق تتزايد معدلات أرباح المساهمين فيها سنة بعد أخرى. ولكن ماذا عن تاريخ وأصول نشأة هذه الرياضة، وكيف صقلت وشذبت لتصبح بهذه القوة التي نشهدها اليوم. إذ إن عدد الدول التي يتكون منها الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) حاليا وصل إلى 207 دول، في حين أن عدد البلدان المنضوية تحت مظلة الأمم المتحدة لا يتجاوز 191 بلدا.
###جذور وطقوس
جذور هذه اللعبة وأساطيرها هي تاريخ من الرموز والطقوس مع مزيج من المعتقدات والألعاب، وقد يستغرب الكثير من عشاقها حين يعلم بأنها كانت طقسا دينيا في البداية، فمنذ نحو 3400 سنة قبل الميلاد، فيما بات يعرف اليوم بدولة المكسيك، مارست قبائل هذا المنطقة أول رياضة جماعية باستعمال كرة من المطاط. وتبنى شعب المايا تلك الرياضة معتبرا الكرة رمزا للشمس وطاقاتها وخصوبتها، ويظهر الجانب التعبدي فيها عند نهاية اللعبة؛ إذ يقدم قائد الفريق الخاسر قربانا للآلهة.
في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية، مارس الصينيون نحو 2500 سنة قبل الميلاد لعبة أطلقوا عليها اسم "تسو شو" (tsu chu) وتعني باللغة الصينية ركل الكرة، وهي اللعبة نفسها التي لعبها هنود أمريكا الشمالية، التي قال عنها الشاعر الصيني لي يو (ly you) نحو عام 136 قبل الميلاد: "الكرة مستديرة والملعب مربع، كامتداد السماء والأرض، ترتفع الكرة فوقنا كالشمس بينما يتواجه الفريقان".
بلغت اللعبة اليابان نحو 1400 سنة قبل الميلاد تحت اسم جديد "كيماري" (Kemari) بطقوس أكثر احتفالية، إذ يتوجب على اللاعبين قبل انطلاقة اللعبة مباركة الكرة في المعبد، تتلوها مراسيم تسمى "توك ماري" (Tok mari) تتوج بصلاة جماعية قبل بدء المقابلة التي تكون بين فريقين بثمانية لاعبين لكل منها، مع ميزة أساس تتمثل في عدم وجود رابح أو خاسر عند نهاية المقابلة، ما أضفى عليها بعدا روحانيا تسامحيا هادئا.
#2#
لعب جنود الرومان لعبة شبيهة بكرة القدم تعود جذورها للإغريقيين، وتقوم على التنافس على الكرة في خطوط أربعة، بلغتنا اليوم (حراسة المرمى، الدفاع، الوسط، الهجوم). نقلت هذه اللعبة إلى بريطانيا خلال الاحتلال الروماني، رغم أن الخلاف ما يزال قائما حول ما إذا نقلت فعليا أم أن الرومان أثروا فقط في الألعاب الموجودة في الجزيرة. لكن الأكيد أنه وبعد عقود من جلاء الرومان كان البريطانيون يمارسون لعبة كرة القدم، خصوصا في الأعياد والمناسبات الدينية، حيث تقول الأسطورة إن الكرة كانت في الأصل رأسا بشرية؛ رأس طاغية بريطاني يدعى تي سكار ألقي برأسه من على كاتدرائية سانت ماكنيس (Sant-Magnus) بمدينة كير كويل (Kirkwall) للناس كي يعلبوا به.
###ضوضاء شريرة
مهما تكن الأساطير التي تروى عن كرة القدم، فمعظم الروايات تنسب الولادة الحقيقية لهذه اللعبة بصيغتها المعاصرة اليوم إلى بريطانيا، رغم المنع الذي لقيته في بدايات نشأتها بهذا البلد.
وكان أول قرار لحظر ممارسة اللعبة سنة 1310 إبان حقبة حكم الملك إدوارد، ببلاغ من بين ما جاء في حيثياته: "إن هناك ضوضاء كبيرة في المدينة بسبب دفع كرات كبيرة الذي قد يسبب ظهور عديد من الشرور، لا سمح الله، لذا نأمر بعقوبة السجن وبمنع هذه اللعبة في المدينة في المستقبل".
فعلا لقد كان الإنجليز أول من أسس لكرة القدم بقواعدها الحديثة، إذ في عام 1863 أرسل 11 فريقا ممثليهم لمناقشة قواعد اللعبة، وأفرز هذا الاجتماع أول اتحاد كرة قدم في العالم.
لأنه قبل هذا التاريخ كان الفريقان ملزمين بوضع قواعد المباراة وتحديد عدد أعضاء الفريق وما إلى ذلك من تفاصيل إجراء المقابلة، وهكذا دواليك في المقابلة الموالية. وهنا نشير إلى أن ترسانة القوانين التي تحكم مباريات اليوم لم تكن وليدة لحظة واحدة بل جاءت بالتدريج طوال عقود من الزمن، نورد منها على سبيل المثال أن تحديد أبعاد المرمى (2.44م/ 7.34م) كان سنة 1875، وجاء استخدام الصفارة لأول مرة بعد ذلك بثلاث سنوات في إحدى مباريات كأس إنجلترا (نوتنغهام/ شفيليد).
أما دخول مراقبي الخطوط وظهور شباك المرمى وتحديد منطقة الجزاء فكان عام 1891، بعده بخمس سنوات حدد زمن المبارة في 90 دقيقة وحدد معه أبعاد المعلب الحالية. وسن قانون التسلل عام 1925، بينما البطاقات الحمراء والصفراء لم يتم إدخالها حتى سنة 1976.
###الحفاة ينسحبون
لا بأس أن نختم هذه الورقة عن تاريخ معشوقة الجماهير ببعض الغرائب التي يحفل بها تاريخها، حيث تقول الروايات إنه في مباراة بين فريقي "أرسنال" و"سبارتك موسكو" على ملعب وايت هارت لين عام 1945 غطى الملعب ضباب كثيف جعل الرؤية شبه مستحيلة، ما سمح لأحد لاعبي فريق الأرسنال المطرود من المباراة بالعودة لإتمام المقابلة دون أن يلاحظ الحكم ذلك.
من الغرائب أيضا ما جرى في كأس العالم لسنة 1950 الذي أقيم في البرازيل، إذ وبعد تأهل منتخب الهند للمونديال تقدم هذا الأخير بطلب لـ"فيفا" للسماح للاعبيه باللعب بدون أحذية، وذلك لعدم تعودهم على لعب المباريات بأحذية، إلا أن "فيفا" رفض طلبهم وانسحب المنتخب الهندي من البطولة. نذكر في السياق ذاته اغتيال المدافع الكولومبي (أندريس اسكوبار) من قبل المافيا الكولومبية بإطلاق 12 طلقة فى جسده، بعدما سجل في مرماه في مباراة منتخبه ضد المنتخب الأمريكي في كأس العالم لعام 1994.