منظمة التجارة العالمية بين يديك (52)
الخطـوات الاستراتيجية لمفاوضات انضمام الدول إلى منظمة التجارة العالمية
لدى توافر القناعة لدى الدولة، التي مازالت خارج المنظمة، ورغبتها في الالتحاق بركب النظام التجاري العالمي، تقوم السلطات العليا في هذه الدولة بتوجيه رسالة خطية إلى مدير عام المنظمة يحملها وزير التجارة، توضح فيها رغبتها في الانضمام إلى المنظمة، وبعرض الرسالة على المجلس العمومي للمنظمة General Council، الذي يجتمع مرة كل شهرين، تتم الموافقة المبدئية بالإجماع على طلب الدولة لكي تبدأ مسيرة الانضمام الشاقة، ويحال قرار المجلس العمومي إلى إدارة الانضمام في المنظمة Accession Division، لتقوم بدورها باتخاذ الإجراءات التالية:
أولاً: إبلاغ الدولة رسمياً بالموافقة المبدئية Preliminary Approval، على طلبها شريطة استكمال مسيرة المفاوضات مع الدول الأعضاء في المنظمة، وتعطى الدولة صفة عضو مراقب Observer Member Status، في المنظمة، وتعرّف بالدولة المستجدة الساعية إلى الانضمام Acceding Country، ويصبح لهذه الدولة المستجدة الحق في حضور جميع الاجتماعات الرسمية وغير الرسمية للمنظمة، ولكـن لن يكون لها الحق في التصويت Voting، على القرارات التي تتخذها وفود الدول الأعضاء في المنظمة، وتحقيقاً لمسيرة الانضمام، تطلب إدارة الانضمام من الدولة المستجدة البدء في إعداد وتقديم الوثائق التالية:
1 ـ وثيقة التصنيف الذاتي للدولة Country Self Classification Status. أي هل هي دولة متقدمة Developed، نامية Developing، أو أقل نمواً Least Developed. وهذه الخيارات الثلاث للتصنيف تساهم إلى حد ما في منح الدولة المستجدة الميزات Benefits والمرونات Flexibilities، التي بدأت تتلاشى وتندثر بعد عشر سنوات من إنشاء المنظمة، مثل الفترات الانتقالية Transition Periods، الخاصة بتطبيق الاتفاقات الإلزامية تحت مبدأ الالتزام الشامل الموحد Single Undertaking، والاستمرار في توفير الدعم الزراعي المحلي Aggregate Measures of Support، ومدى أحقية الدولة في الحصول على المساعدات الفنية Technical Support.
2 ـ وثيقة شاملة Memorandum on Foreign Trade Regime، تحتوي على سرد تفصيلي عن سياسات الدولة Government Policies، الاقتصادية والتجارية والمالية والتمويلية والاستثمارية، وحماية حقوق الملكية الفكرية والنظام القضائي العام وطرق التقاضي وسبل التظلم.
3 ـ أسماء وألقاب رئيس وأعضاء الفريق التفاوضي الرسمي Negotiating Team، الذي سيمثل الدولة المستجدة، على أن يكون رئيسه وجميع أعضائه من دون استثناء من موظفي الدولة الرسميين، حيث لا تسمح أحكام المنظمة أن يشارك في المفاوضات، الرامية إلى انضمام الدول أو أي مفاوضات تجارية أخرى، من ليس له الصفة الرسمية الموثقة في الدولة المستجدة أو الدولة العضو في المنظمة.
ثانياً: تشكيل فريق العمل Working Party، المعني بانضمام الدولة المستجدة إلى المنظمة، ليقوم بعقد اجتماعاته دورياً بهدف إجراء المفاوضات التجارية بشكل جماعي مع الدولة المستجدة، ويتكون هذا الفريق من الدول الأعضاء في المنظمة الراغبة في المشاركة بفاعلية في هذا الفريق والتي تربطها علاقات تجارية مميزة مع الدولة الساعية للانضمام، سواء كانت هذه العلاقات إيجابية أو سلبية. وتختلف تركيبة فريق العمل وعدد الدول الأعضاء المشاركة فيه باختلاف المستوى التنموي والثقل الاقتصادي والوزن التجاري للدولة المستجدة، فبينما كان فريق العمل المعني بانضمام تايوان يتكون من 26 دولة عضو في المنظمة، كان الفريق المعني بانضمام الصين مكوناً من 58 دولة، روسياً 63 دولة، المملكة العربية السعودية 52 دولة، سلطنة عُمان 23 دولة، والأردن 19 دولة.
ثالثاً: اختيار رئيس فريق العمل Chairman of the Working Party، بالتنسيق المباشر بين رئيس الفريق التفاوضي الرسمي للدولة المستجدة وإدارة الانضمام في المنظمة، ويخضع هذا الاختيار لقائمة من أسماء رؤساء وفود الدول الأعضاء، وهم سفراؤها المعتمدون لدى المنظمة في مدينة جنيف، الذين سبقتهم الشهرة في إدارة المفاوضات خلال لقاءات العمل المماثلة، ومن لهم القدرة على ممارسة هذه المهمة بحزم وكفاءة ومعرفة جيدة مسبقة بالسياسات التجارية للدولة المستجدة.
رابعاً: اختيار الموعد المحدد للقاء الأول لفريق العمل، وتعرف هذه اللقاءات أيضاً بجولات المفاوضات متعددة الأطراف Multilateral Negotiations.
لدى تسلم الموافقة الرسمية المبدئية على مشاركتـها عضوا مراقبا في منظمة التجارة العالمية، تقوم السلطات المختصة في الدولة المستجدة باتخاذ الخطوات الاستراتيجية التالية:
أولاً: اختيار رئيس وأعضاء اللجنة الوزارية العليا المكونة من وزراء الخارجية، التجارة، الصناعة، الزراعة، المالية، الاقتصاد، التخطيط، الاستثمار، والبترول والثروة المعدنية، تنحصر مهامُها في النواحي التالية:
1 ـ إعداد استراتيجية المفاوضات ووضع الإطار العام للخطة التنفيذية الهادفة إلى تحقيق متطلبات الانضمام إلى المنظمة بأسرع وقت ممكن دون الإخلال بمصالح الدولة المستجدة والتفريط في حقوقها المكتسبة، وتقوم اللجنة الوزارية بالرفع إلى مجلس الوزراء في الدولة المستجدة لإصدار القرارات والأوامر اللازمة في هذا المجال.
2 ـ تشكيل فريق التفاوض الرسمي (الإطار رقم 4 - 4) برئاسة أحد أعضاء اللجنة الوزارية، الذي يكون غالباً وزير التجارة أو المسؤول الأول عن التجارة الخارجية في الدولة المستجدة، ويساند هذا الفريق مجموعة من المختصين والخبراء الرسميين ذوي المراكز الرفيعة في الوزارات والمصالح الحكومية والمؤسسات الرسمية لهذه الدولة.
3 ـ توفير المرونة اللازمة للفريق التفاوضي عن طريق تزويده بالحدود المرسومة القصوى Best Position، والدنيا Fall-Back Position، للتفاوض بشأنها مع الدول الأعضاء في المنظمة، بما يتناسب مع مصالح الدولة المستجدة وفق أفضل الشروط والامتيازات التي حصلت عليها الدول الأخرى حديثة الانضمام Recently Acceding Countries.
ثانياً: تكون مهام الفريق التفاوضي الذي تم تشكيله من قبل اللجنة الوزارية كالتالي:
1 ـ إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية الخاصة بالمكاسب والتكاليف الناتجة عن تقديم الالتزامات والتعهدات في جميع القطاعات الاقتصادية ذات العلاقة بتجارة السلع والخدمات، ومدى تأثير فتح هذه القطاعات الاقتصادية والأنشطة التجارية على مستوى التنمية والميزان التجاري في الدولة المستجدة.
2 ـ تشكيل الفرق الفنية من المختصين في الجهات الرسمية في الدولة المستجدة لإعداد جداول عروض السلع الزراعية والصناعية وجداول عروض الخدمات، مع الأخذ بعين الاعتبار نتائج دراسة المكاسب والتكاليف وأوضاع التنمية الصناعية والأمن الغذائي في هذه الدولة.
3 ـ المشاركة الفعالة مع المختصـين في سفارات الدولة المستجـدة القائمـة في دول العالم، بهدف الحصول على المعلومات الدقيقة عن مـدى انفتاح أسواق الدول الأعضاء في المنظمة والسقوف الجمركية المفروضة على وارداتها والأنشطـة الخدمية المستثناة من الاستثمـار الأجنبي، إضافة إلى دراسـة ميزان التبادل التجاري بين هذه الدول الأعضاء في المنظمة والدولة المستجدة الساعية إلى الانضمام.
4 ـ خوض المفاوضات الثنائية Bilateral Negotiations، الخاصة بالنفاذ إلى الأسواق Market Access في قطاعي السلع والخدمات، مع الدول الأعضاء في المنظمة التي تطالب بعقد مثل هذه المفاوضات مع الدولة المستجدة على المستوى الثنائي، وقد يتطلب ذلك من الفريق التفاوضي والفرق الفنية المختصة في الدولة المستجدة زيارة عواصم الدول الأعضاء عدة مرات أو استضافتها في عاصمة دولتها أو خوض هذه المفاوضات الثنائية في مقر المنظمة في مدينة جنيف.
5 ـ حضور لقاءات فريق العمل بهدف خوض جولات المفاوضات متعددة الأطراف Multilateral Negotiations، الخاصة بإعداد مسودة تقرير فريق العمل الذي يحتوي على ملخص لوقائع هذه المفاوضات متعددة الأطراف وما ينتج عنها من التزامات Commitments واستثناءات Exemptions، ويتطلب ذلك من الفريق التفاوضي للدولة المستجدة الدفاع عن مصالح دولته أمام وتيرة طلبات الدول الأعضاء في المنظمة والتفاوض معهم بشكل جماعي للوصول إلى الاتفاق الأمثل الذي يعكس تحقيق مبدأ التكافؤ في الحقوق والالتزامات.
ثالثاً: إعداد خطة إعلامية لتوعية القطاع الحكومي ومجتمع الأعمال في الدولة المستجدة عن طريق اختيار فريق عمل استشاري من المختصين في الجامعات ومراكز الأبحاث ومجالس الغرف التجارية الصناعية تنحصر مهامه في النواحي التالية:
1 ـ إلقاء المحاضرات التوعوية المتخصصة لتوضيح مكاسب وتكاليف الانضمام إلى المنظمة، وما معطياتها وتداعياتها على الاقتصاد الوطني.
2 ـ إنشاء مركز للاستفسار يقدم المشورة ويجيب عن تساؤلات القطاع الخاص في كل المجالات الاقتصادية والقانونية والتجارية.
3 ـ تزويد الفريق التفاوضي والفرق الفنية المختصة بالمعلومات والمرئيات والمقترحات اللازمة لتعزيز المواقف التفاوضية للدولة المستجدة.
رابعاً: استخدام القنوات الدبلوماسية على أعلى مستوياتها لدعم موقف الدولة المستجدة سياسياً في المحافل الدولية، واختيار المكتب الاستشاري القانوني من المختصين في النظام التجاري العالمي لدراسة وثائق الانضمام وتقديم المشورة القانونية قبل توقيع عقود الاتفاقات الثنائية بين الفريق التفاوضي للدولة المستجدة ووفود الدول الأعضاء في المنظمة.
خامساً: البدء الفوري في صياغة مشاريع الأنظمة المحلية واللوائح التنفيذية ذات الصلة باتفاقات المنظمة الأساسية، تمهيداً لاعتمادها وإصدارها وترجمتها وتوزيعها على الدول الأعضاء في فريق العمل المعني بانضمام الدولة إلى المنظمة وذلك كسباً للوقت الثمين في مسيرة المفاوضات.
سادساً: إعداد الكادر الفني المتخصص في النظام التجاري العالمي وتدريبه في مقر المنظمات الدولية والإقليمية بهدف بناء قدراته وتوجيه أنشطته نحو المشاركة الفعالـة في اجتماعـات المنظمة الرسمية وغير الرسمية التي وصل عددها إلى أكثر من ستة آلاف اجتماع سنوياً. ولتمكين هذا الكادر من نشر الوعي وطرح المبادرات على الصعيدين المحلي والدولي، والمساهمة في المفاوضات الشاملة لدى انضمام الدولة المستجدة إلى المنظمة.