«قتل طائر محاكي» .. ذنب يورّث الكراهية
نتوق أحياناً إلى العودة إلى رؤية العالم بمنظور طفولي، يتلقف كل المعلومات بتلهف بريء، واستنكار مبالغ فيه لما يخالف ما يرد على أذهاننا. وذلك ما تميز به الفيلم الأمريكي الدرامي المقتبس من الرواية الكلاسيكية الشهيرة للروائية هاربر لي، التي حازت من خلالها جائزة البوليتزر الأدبية. فأحداث الفيلم الذي أنتج في عام 1962، تتجلى من منظور الطفلة سكاوت ذات الأعوام الستة، وعجزها عن فهم سبب لمحاولة والدها المحامي أتيكوس فينش الوقوف ضد المجتمع للدفاع عن رجل أسود ينبذه المحيط.
نجح المخرج روبرت موليجان، في اختياره رواية تعد من كلاسيكيات الأدب الأمريكي، واختيرت كجزء من المناهج الدراسية، وترجمت إلى أكثر من 40 لغة. وقد أظهرت خياراته لإخراج الأفلام الأخرى ميولاً لتقديم أفلام مقتبسة من روايات شهيرة. كما نجح في اختيار طاقم متميز يمعن في تخليد أجواء الفيلم. فقد اكتسح الممثل غريغوري بيك البطولة، وتألق في تقمصه دور المحامي الطامح للمثالية أتيكوس، كأب أربعيني أنيق ذي نظارة تكسبه مظهراً حادّ الذكاء، وهو يحاول حماية ابنيه من الإساءة إليهم بسبب خياراته الشخصية، وتسلط وفرض أبناء البلدة آراءهم الرجعية التي لا تتوانى عن محاكمة الآخر بسبب لونه. ويأتي توم روبنسون ممثلاً للرجل الأسود المنبوذ من مجتمعه، وبرع في تجسيد ذلك الممثل بروك بيترز، بهشاشة شخصيته وملامحه المتعجبة لتعرضه للظلم والتجني دونما سبب، واتهامه بالاعتداء على امرأة بيضاء. يرمز توم دونما مواراة إلى البراءة التي تتعرض للمهاجمة كطائر محاكي يتعرض للقتل.
اختيار العمل الروائي والسينمائي من منظور الطفلة سكاوت أعطى مساحة كبيرة للمرونة في البناء والسرد، وإلى إقحام وصايا الأب ووعظه طفليه التي أفرط في إعطائها حتى نهاية الفيلم. وإن كانت تحمل بين ثناياها رمزية معنية كتحذيره لهم بأن "قتل طائر محاكي يعد ذنباً". من جهة أخرى أعطى ذلك فرصة أكبر للمبالغة في تجسيد الخير والشر إلى الحد الذي يكون فيه كل شخص إما خيّراً أو شريراً مطلقاً، كما أسبغ على كل التصورات زيادة المبالغة فيها، كمشاركة سكاوت أخاها جيم الشعور بالذعر من شخصية بو برادلي، الذي قام بتأدية دوره الممثل الأمريكي المبدع روبرت دوفال، كشخصية أحيطت حولها هالة من الغموض دفعت بالآخرين إلى الرغبة في محاولة اكتشاف أسرار منزله وغرابة أطواره. ليكتشف فيما بعد كونه هو الآخر طائراً يغرد خارج السرب، ويتعرض لمحاولة قتل براءته لمجرد أنه عاش حياة انعزالية دفعت بالآخرين إلى شيطنته وتجريمه.
#2#
يظهر الجهد المبذول للروائية هاربر لي في بناء المكان والإغراق في وصف أجواء بلدة ألاباما لعام 1930، حيث يسودها الفقر والتعنت الفكري. وهي ذات البلدة التي ترعرعت فيها الروائية، لتحيك فيها تصورها للأحداث، المحيطة بالمحامي الأب، وهي الوظيفة ذاتها لوالدها، وإن لم تكن الرواية سيرة ذاتية، فإنها حملت اقتباساً لرؤيتها الشخصية المخالطة لخيال روائية، ما دفع بها إلى تصوير أبناء البلدة المبتعدين عن العقلنة، إذ ينعدم التعاطف مع الآخر، ويعد الأسود مجرماً تتم شيطنته. الحد الذي بلغت فيه النزعة العنصرية إلى تغاضي القاضي في المحكمة عن النظر في القضية، واتهام توم باغتصاب امرأة بيضاء تدعى ماييلا دون وجود أي براهين تثبت ذنب المتهم.
أجواء الظلم والاضطهاد تتعمق من خلال مشهد محاكمة روبنسون، وأجواء احتشاد وصخب الجمهور المترقب لمحاكمة الأسود المتهم بالاعتداء على ماييلا، حيث يصبح اتهامها ووالدها للأسود دليلاً كافياً على تجريمه. وإن كانت ماييلا تنتمي هي ووالدها للطبقة المدقعة من المجتمع وغير المتعلمة، إلا أنها تحصل على دعم المجتمع الذي تتأصل فيه النزعة العنصرية حتى في نفوس أطفاله، بسبب تأثرهم بمبادئ تبالغ في تجريم الآخرين في البلدة ذاتها.
نجح المخرج روبرت موليجان في تحويل أحداث رتيبة لأب أربعيني إلى فيلم كلاسيكي خلّدت أحداثه. وقد استغل كما في الرواية شخصية بو رادلي المغيبة، كجار مختف خلف أبواب منزله، يحاول أطفال البلدة التسلل نحو منزله، بسبب تلك الشائعات حول غرائبيته نظرا لعدم مداخلته المجتمع وبالتالي جهلهم به، ما يدفعهم إلى شيطنته هو الآخر. يستمر ذلك التصور حتى يتم فيه التعرف عليه من كثب، واكتشاف حيثياته ومدى إساءة فهمه.
الفيلم بلونيه الأبيض والأسود، يعكس سوداوية تغرق في الدراما وتسرف في إسدال الظلام لتنفرد الأجواء الكئيبة فتعم كل مكان، حيث الليل واللون الأسود يغلبان على أجواء الفيلم. كما برز استخدام تقنيات كالإضاءة والظلال الداكنة التي تسهم في تعزيز الجو الدرامي، ليظهر المجتمع وكأنه يتآمر على المختلفين عرقياً.
يؤكد فيلم "قتل طائر محاكي" الحس الأمريكي الممعن في الإشادة بالبطل الأمريكي الأبيض الذي ينقذ العالم بقوته وحفاظه على مبادئه. إذ يقف المحامي أتيكس في مواجهة ذلك المجتمع المتزمت، القادر على مواجهة الضغوط للدفاع عن الآخر والإيمان بقضيته، ومحاولة الإبقاء على الطيور المغردة، سواء كانت عبر بريء أدين على أيدي أشخاص يحاكمونه دونما أدلة، أو آخر أسيء فهمه لعدم قدرته على إبراز الجانب الإنساني من شخصيته. تجدر الإشارة إلى أن الفيلم الروائي تزامن مع بروز حركة الحقوق المدنية التي ظهرت في الولايات المتحدة، لتجريم التمييز العرقي ضد الأمريكيين الأفارقة.