ثالوث العصر .. الاقتصاد والبيئة والتطرف

ثالوث العصر .. الاقتصاد والبيئة والتطرف
ثالوث العصر .. الاقتصاد والبيئة والتطرف

يعن بادئ الأمر أن عنوانا بهذه الصيغة فيه غير ما قليل من المجازفة، بيد أن تفكيرا مليا في واقعنا المعاصر، ونحن على أبواب توديع سنة واستقبال أخرى، سنة بها نكون قد قطعنا عقدا ونصف العقد من ألفية ثالثة كانت كل أماني الإنسانية معقودة عليها، بواقع جديد يقطع مع دابر المآسي المؤلمة والجروح الغائرة التي تخدش وجه التاريخ المعاصر.

تصور مثالي

نعم، هكذا كان الحلم قبل 15 سنة أو أقرب إلى ذلك قليلا، غير أن هذا التصور مثالي لاقترابه من بلورة فكرة "كل ما يتمناه المرء يدركه"، غالبا ما لا يساير مجريات حاضر الإنسانية حيث "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن" إذ تزاحمت المشاكل وتوالت الأزمات تباعا، حتى أضحت البشرية في موقع لا تكاد فيه تستجمع قواها من ويلات أزمة حتى تفتك بها أخرى أشد وطأة من ربيبتها السابقة.

إمعان النظر في شريط أحداث هذا العقد والنصف الذي مر سريعا من تاريخنا كلمح البصر، يكشف عن ثلاث أقانيم كبرى يمكن للمتتبع النبيه أن يجمل فيها الويلات التي اكتوى بحرائقها سكان الكوكب الأزرق. إنها ثلاثية: العنف، الأزمة الاقتصادية والكوارث البيئة.

إنها وبكل بساطة الثلاثية التي تقض مضجع الإنسان المعاصر، الذي إن لم يذق طعم اثنتين ففي الأغلب الأعم تجرع مرارة الثلاثة.

الأمر كذلك، فتطورات الأزمة البيئية في تضاعف وردود أفعال البيئة ضد الإنسان في ازدياد وتنوع ما بين حرائق هنا وفيضانات هناك وأعاصير هنالك، وبينهما موجات من الزلازل والبركان كل ذلك ممزوج بهالة من الجفاف والمجاعات والأوبئة في أكثر من رقعة جغرافية في الكوكب الأزرق.

فصورة خارجية للكرة الأرضية تظهرها، في شكل أشبه ما يكون إلى نظام فيوداليات أوروبيا الوسيطة، في تقسيم جديد اعتمده الطبيعة بعيدا عن الحدود السياسية القائمة، فمنطق الطبيعة والمناخ والبيئة مختلف كليا عن حسابات التاريخ ومنطق الجغرافيا ورهانات السياسة.

حالة ضعف

نعم إنها لحظة تجلٍّ لحالة ضعف هذا الكائن البشري المسمى إنسانا الذي عتا في الأرض والبر والجو فسادا وطغيانا وتجبرا واستكبارا، لحظة يصبح فيها تطور البشرية كله في "كف عفريت" مذكرة بني آدم بحجمه الحقيقي وقدراته ضمن هذا الكوكب الفسيح.

#2#

ودعنا القرن العشرين الذي توج رجال المال والأعمال وأباطرة الاقتصاد رجال هذا القرن، غير أن تيجان التتويج لم تصمد طويلا على رؤوس هؤلاء إذ اهتزت مع أول ريح عاصفة تهب في باكورة القرن الحادي والعشرين، مزلزلة عروش إمبراطوريات اقتصادية أضحت في خبر كان، فصرنا بين فكي أزمة اقتصادية أحكمت قبضتها على الأوردة المالية للعالم أي البورصات التي بدأت تتهاوى تباعا، ودون سابق إنذار أو توقع بشكل لم يعرف له التاريخ مثيلا قبلا.

وبين عشية وضحاها سارت دول بأكملها على وشك الانهيار (اليونان، إسبانيا، إيطاليا، البرتغال ...) ليس بسبب الحروب والصراع على السلطة السياسية كما جرت العادة بذلك، بل السبب هذه المرة هو الإفلاس المالي. هذا ولم تسلم الولايات المتحدة الأمريكية كأقوى إمبراطورية مالية في العالم من رياح كساد سنوات هذا العقد والنصف العجاف. وهكذا ظلت أعين العالم مشدودة إلى أسهم البورصات وأسواق المال كأنهم يتابعون مباراة نهاية لكأس العالم لكن هذه المرة في الاقتصاد وليس في الرياضة.

قرن متطرف

ثالثة الأثافي ظاهرة العنف الذي لم يتوقف طوال هذه السنوات بل إن المؤشرات تشير إلى تزايد في منسوبه مع توالي السنين. وكأني بالتاريخ يزكي تلك المقولة التي تفيد بأن الواعظ المجهول والفيلسوف المغمور هما اللذان سيحددان توجهات العالم في القرن الحادي والعشرين، بعدما كان فيلسوفان هما: آدم سميث وكارل ماركس، قد حددا اتجاه القرن العشرين المنصرم.

نعم إن الأمر كذلك، فقد بدأنا السنة الأولى من هذه الألفية بأحداث "غزوة مانهاتن" أو ما يعرف بأحداث 11 أيلول (سبتمبر) فحرب أفغانستان التي تلتها حرب العراق، وتوالت الوقائع والأحداث تباعا بشكل متسارع حتى جاء "التتويج" مع تنظيم داعش، الذي انتشر كالنار في الهشيم لا تبقي ولا تذر، وتمدد في الأركان الأربعة للعالم محفزا أنصاره وحوارييه على العنف باسم الدين، في تشبيك أخطبوطي عابر للقارات من العراق والشام نحو الجزيرة العربية مرورا بالغرب الإسلامي وصولا إلى أعماق إفريقيا، إذ جعل هذا التنظيم العالم قاطبة في فسطاط الكفر، وجعل أعضاءه ومناصريه في فسطاط الإيمان معلنا الحرب ضد الجميع.

ظاهرة "التطرف" التي يبدو أنها سترافقنا ردحا من الزمن، فكل المؤشرات تفيد بتفاقم نطاق انتشارها وتوسعها، لنقول إن التاريخ ربما يعيد نفسه، لكن الخوف كل الخوف في أن تكون الإعادة أشد إيلاما وفتكا بالإنسانية، فإذا كان وصف مؤرخ معاصر من طينة إريك هوبزباوم (Eric Hobsbawm) للقرن العشرين بعصر التطرفات، بعد حربين حاصل سنوات اشتعال فتيلهما لا يتعدى العقد من الزمن، ماذا سيكون واقع قرننا هذا الذي لا بشائر تعلو في الأفق بالجنوح إلى السلم والسلام.

قد يقول قارئ ما بالك متشائما إلى هذا الحد، ونحن ما نزال في بدايات القرن، وقد لا يتوانى في تذكيري ببيت شعري للشاعر أبي الطيب المتنبي:
"ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته لا يصدق الوصف حتى يصدق النظر".

الأكثر قراءة