في القضاء العالمي .. «عدالة السمك» تغزو عالم البشر

في القضاء العالمي .. «عدالة السمك»  تغزو عالم البشر

تحدث منظرون قانونيون هنود قدماء باستخفاف عما أسموه "ماتسيانيا" Matsyanyaya؛ العدالة في عالم السمك، حيث تلتهم السمكة الكبيرة متى شاءت السمكة الصغيرة. ونبهوا في نهاية حديثهم إلى وجوب الحرص على أن لا تغزو عدالة السمك عالم البشر.

عدالة ممكنة
مبحث العدالة هذا قض مضجع المجتمعات والأمم عبر التاريخ، إذ نجد الفكرة ذاتها وبقالب آخر عند اليونان، حيث قال أرسطو: "العدالة السياسية ممكنة بين رجال يتشاركون في علاقات متبادلة، ويعيشون حياة مشتركة ويحكم علاقاتهم قانون، والقانون يحكم في العلاقات والأعمال غير العادلة، حينما يأخذ الإنسان لنفسه أكثر مما يستحق من الخيرات، ويتحمل قدرا أقل مما يجب من الأعباء. ولهذا لا نسمح لرجل أن يحكم، فما يحكم هو القانون، لأن الرجل يتصرف بموجب مصالحه الذاتية ويصبح طاغية".
عين الموضوع يتجدد اليوم في القرن الحادي والعشرين، لكن بدل أن ينحصر بين الرجال بتعبير أرسطو صار قائما اليوم بين الدول والبلدان. ففي وقت يحتدم فيه النقاش حول الجيل الثالث من حقوق الإنسان، تنحدر فيه البشرية في مدارك اللاعدالة وانعدام المساواة وأصناف الميز. إذ كيف يمكن الحديث عن أسس فلسفية لعدالة دولية؟ وما هي ممكنات تطبيقها في سياق دولي يتسم واقعيا بالانحياز في موازين القوة، أي في سياق دولي تطغى عليه سياسة القوى وازدواجية المعايير؟ وما هي إمكانيات سيادة القانون على الصعيد الدولي في ظل تشبث المجتمع الدولي بمفهوم سيادة الدولة؟ وإعطاء الأولوية للمسؤولية الفردية، ورفض الفصل التام بين السلط؟
لا شك أن حال العدالة الدولية اليوم أبرز تعبير عن واقع سياسة القوى التي لا تعني غير فرض القوي منطقه؛ وهو يعمد إلى ليّ عنق القانون الدولي، وتوظيفه بما يخدمه بمعية حلفائه (عين ما قاله أرسطو)؛ فالقانون يفقد مقاصده المثلى حين تقتحم السياسة ملعبه. وحيثما يكون ثمة توجيه عن سوء نية لدفته تنتهي رسالته الأخلاقية، ويؤول ضد ما يرمي إليه من إحقاق للعدالة والإنصاف.

معضلة الواقعية
هذا ما عبَّر عنه أحد خبراء القانون الدولي بقوله: "تواجه النظرية القانونية حتما معضلة الواقعية السياسية، في مقابل المثالية القانونية؛ أي سؤال أسبقية القانون على السياسة، أو السياسة على القانون؟ ذلك أن الذين يروجون للسلطة القضائية الدولية يجدون أنفسهم في جدال دائم مع أنصار سياسات القوى الدولية". وبصيغة أدق نقول لا بد من ضرورة الوعي بالعلاقة الشائكة بين القانون والسياسة. وهنا يغدو الإشكال مباشرا، حيث يتحول السؤال إلى صيغة أكثر بساطة، لكن وفي ذات الآن أكثر عمقا، ويطرح كالتالي: ما السبيل إلى تكريس القانون بعيدا عن مناورات السياسة ومصالحها الحيوية؟
يجد هذا التداخل جذوره عند لحظة التأسيس الأولى؛ فالآباء المؤسسون لمنظمة الأمم المتحدة؛ أي الحكومات التي مولت الميثاق، نجحوا في فرض ذواتهم عليها من خلال إدخال حق "الفيتو" بموجب المادة 27 في الميثاق. وتفيد هذه الحقيقة التاريخية – بحسب البروفيسور النمساوي هانس كوكلر - أنه لولا الشروط الصريحة التي تضمن هذا الموقع المميز أو الاستثناء الواقعي من القاعدة العامة لما رأت هذه المنظمة النور، ويعني ذلك بالضرورة حماية وحفظ مصالح هذه الدول في إخلال تام بمبادئ المساواة والحياد والتجرد المطلوبة في أمثال هذه المؤسسة.
أكيد أن هذا الوضع التفضيلي والاعتباري لدول بعينها ستكون له تداعيات على استقلالية قرارها ومواقفها في القضايا النزاع بين الأطراف. وتجارب "القضاء العالمي" خير دليل على ما ندعيه في هذا السياق، إذ النظر إلى مختلف التجارب القضائية العالمية يكشف لنا عن مظاهر التبعية والتحكم. في هذا الشأن لا تتردد القاضية الأممية كارلا ديل بونتي (Carla Del Ponte) السويسرية الأصل عن تأكيد الأمر في مذكراتها، حيث تقول: "تعتبر المحاكم الخاصة في ضوء حقائق سياسات القوى هذه، التي أنشأها مجلس الأمن حالات نموذجية تشهد على تسييس العدالة الدولية، فهي تشكل باعتبارها محاكم سياسية، امتدادا لتراث محكمتي "نورنبيرج" و"طوكيو"، لكنها لا تدفع بسيادة القانون الشاملة إلى الأمام".

تناقضات القضاء
موقف لم يتردد هانس كوكلر (Hans Köchler) بصفته مختصا في القانون الدولي على تأكيده من خلال كشف تناقضات أسس ما بات يعرف بــ"القضاء العالمي" من خلال التساؤل من بوصفه خبيرا ممارسا، وفقيها ومنظرا قانونيا عن إشكالية تداخل السلطات، فكيف يكون فصل السلطات ممكنا في إطار دولي يقتضي حفظ سيادة الأمة - الدولة؟ وكيف يمكن صون استقلال الإجراءات القضائية الدولية في ظروف تحظى فيها السيادة الوطنية بمنزلة سامية؟ أم أن الدولة العالمية هي، في نهاية المطاف، الإطار الوحيد الممكن لنظام عدالة دولية قادر على أداء وظيفته على نحو كاف؟
ويضيف في سياق متصل متسائلا: "كيف يمكن حل مشكلة المفاضلة في تطبيق القانون الدولي عندما تتأثر مصالح الدول تأثرا مباشرا بسبب إدارة الإجراءات الجنائية؟ هذه بعض من الأسئلة الجوهرية التي تواجه المتخصصين في القضاء العالمي؟".
تزداد مشروعية هذه الأسئلة في نظري حين نقرأها في ضوء موازين القوى الدولية اليوم؛ إذ كيف يمكن فرض القضاء العالمي أو جعله قابلا للتطبيق في ظل هيمنة الولايات المتحدة؟ فضلا عن ذلك، كيف سيكون شكل نظام القضاء العالمي في عصر العولمة الذي تزداد فيه هيمنة المصالح الاقتصادية على حقل السياسة؟ وهل تنسجم الفكرة التي تروج حول كونية العدالة (جون راولز) المبنية على فهم شمولي لحقوق الإنسان مع العولمة، ومتطلباتها السياسية والاجتماعية والثقافية؟ أم يعوق التوجه نحو مراكمة القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية على الصعيد الدولي، في الواقع، استقلال وظيفة سلطة عهد إليها بتنفيذ القضاء العالمي؟
إذا سلمنا جدلا بإمكانية إقامة "قضاء عالمي" في ظل المؤسسات الدولية القائمة وبموازين القوى هذه، فإن التساؤل يثار حول الطرق التي سوف تمارس بها الأجهزة القضائية الوطنية التابعة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة القضاء العالمي على نحو فردي؟ وعن كيفية إدارة العدالة على حساب المجتمع الدولي دون أن تسبب نوعا من "الفوضى القانونية" بين الدول الأعضاء؟
هي حجرة في بركة آسنة من الأسئلة التي تثار حول موضوع قلما توقفت عنده أقلام عربية، في وقت يعد فيه العرب أحد أكبر ضحاياه والمستهدفين منه. ففي عصر العولمة تهمش أمم بكاملها من أجل الربح الاقتصادي، وتصبح الحضارات التقليدية، وأنماط الحياة مهددة بالخضوع لنموذج اقتصادي واجتماعي موحد، وتفرض الهيمنة الاقتصادية على الشعوب والمجتمعات الأصلية. وتتسع الهوة بين الأغنياء والفقراء، دون أن تتاح أي فرصة للبلدان المتخلفة اقتصاديا لمنافسة أقوى الفاعلين الاقتصاديين على أساس العدالة والشراكة. في هذا العصر لا يمكن أن نتجاهل الحيف الاجتماعي على الصعيد الدولي، باعتباره سببا جذريا من أسباب العنف الدولي.

الأكثر قراءة