الجانب المغلوط عند المتشائمين في الصين
دق خبراء الاقتصاد أخيرا ناقوس الخطر من أن التنمية الاقتصادية في الصين على حافة الأزمة. وهم يجادلون بأن المشكلة تكمن في أن النمو في الصين مدفوع بمستويات مرتفعة للغاية من الاستثمار الرأسمالي، وأن الاستهلاك الخاص يتعرض للانحدار. فهل هناك أزمة تلوح في الأفق حقًا، كما يتوقع كثيرون؟
صحيح أنه يمكن وصف نمط النمو في الصين، على مدى عقود، بأنه مدفوع بالاستثمار. وعلى غرار أغلب اقتصادات شرق آسيا، دعمت الصين التنمية من خلال الاستفادة من معدل الادخار المرتفع للحفاظ على معدلات استثمار مرتفعة للغاية، وغالبًا ما استخدم صُناع السياسات الإنفاق على البنية الأساسية كأداة سياسية لمواجهة التقلبات الدورية.
واليوم، حل الاستهلاك المحلي محل الاستثمار باعتباره المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي. فقد أسهم الاستهلاك بنسبة 82.5% في نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني في العام الماضي، في حين أسهم الاستثمار بنسبة 28.9%، وشكّل صافي الصادرات عائقًا للنمو (-11.4%). ووفقاً لحساباتي الخاصة، شكّل الاستهلاك والاستثمار وصافي الصادرات 54.7%، و42.8%، و2.5% من الناتج المحلي الإجمالي على التوالي في عام 2023.
من المؤكد أن الإنفاق الاستهلاكي النهائي في الصين أقل بكثير من نفقات الاستهلاك في الولايات المتحدة على سبيل المثال ــ 56% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ81.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019. ومع ذلك، يعد هيكل الاستهلاك في البلدين مختلفا تمامًا: تُشكل الخدمات أقل من 50% من الاستهلاك النهائي في الصين، مقارنة بالثلثين في الولايات المتحدة.
علاوة على ذلك، فإن أسعار الخدمات في الصين أقل بكثير منها في الولايات المتحدة. وبعد تعديل فرق السعر، وجدتُ أنه في عام 2022، بلغ إجمالي الإنفاق الاستهلاكي على السلع (بما في ذلك خدمات تقديم الطعام) في الصين 37% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 28% في الولايات المتحدة.
ثم هناك ملكية المنازل. على مدى العقود العديدة الماضية، أنفقت الأسر الصينية نسبة كبيرة للغاية من دخلها على شراء البيوت. نتيجة لذلك، يُعد معدل ملكية المنازل في الصين اليوم من بين أعلى المعدلات في العالم. (كما أن نصيب الفرد من المساحة الأرضية في الصين مرتفع للغاية). وأنا لا أرى أي فرق بين شراء سلع استهلاكية باهظة الثمن وشراء منزل للعيش فيه، لكن يُعد الأول استهلاكاً، والثاني استثماراً. وعندما يتعلق الأمر بالاستثمار العقاري، فإن المعدل في الصين يُعَد من بين أعلى المعدلات على مستوى العالم (كحصة من الناتج المحلي الإجمالي).
لذلك، ربما تكون الصين في وضع أفضل كثيراً مما يزعم المتشائمون. وعلى الرغم من أن الاقتصاد قد يستفيد إذا قللت الأسر الصينية من ادخارها وزيادة استهلاكها، إلا أنه سيكون من الصعب للغاية إقناعها بالقيام بذلك ما دام خطر الانكماش يلوح في الأفق، ونمو الدخل راكد، وأسعار الأسهم والمساكن في انخفاض. فالاستهلاك في نهاية المطاف هو علامة للدخل وتوقعات الدخل والثروة. ولهذا السبب، فإن الخطوة الأولى نحو تعزيز الاستهلاك المحلي تتلخص في دفع عجلة النمو، وهو ما يتطلب موجة جديدة من الاستثمار في البنية الأساسية التي تمولها الحكومة.
يعد إصدار هذه السندات بمنزلة اختبار للصين. وفي حال نجاحها، قد تُصدر الحكومة مزيدا من السندات لتمويل الاستثمار في البنية الأساسية، وذلك للتعويض عن التأثير السلبي في النمو الناجم عن تباطؤ نمو الاستهلاك وتراجع الاستثمار العقاري. كما تحتاج الحكومة إلى جمع مزيد من الأموال لتحقيق الاستقرار في سوق الإسكان وتخفيف عبء ديون الحكومات المحلية.
وإذا كان للصين أي أمل في تحقيق هدفها المتمثل في نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% هذا العام، فإن انتهاج سياسة مالية ونقدية أكثر توسعية يُشكل ضرورة أساسية. وهذا يعني إصدار مزيد من السندات، في حين يشجع بنك الشعب الصيني على شراء مزيد من السندات الحكومية من السوق الثانوية وخفض أسعار الفائدة بشكل أكبر.
خاص بـ"الاقتصادية"
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2024.