لماذا تعزز الصين حضورها الاقتصادي في الشرق الأوسط وإفريقيا؟
قبل أيام اختتم منتدى التعاون العربي الصيني في بكين بمشاركة مختلف دول المنطقة، خلف هذه اللقاءت ترسم عديد من الصفقات الاقتصادية، فالصين صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم تحولت في آخر عقدين إلى قطب هام في هيكل الاقتصاد العالمي، حيث تلعب الدور الأهم في حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية، الفوائض المالية التي أوجدتها الطفرة الاقتصادية جعلت الصين أيضا واحدة من أهم المستثمرين على مستوى العالم، وقد حظيت منطقة الشرق الأوسط إضافة إلى القارة الإفريقية بمكانة هامة للاقتصاد الصيني سواء كان على المستوى التجاري أو تدفقات الاستثمار.
النمو المطرد في أهمية المنطقة للاقتصاد الصيني تعززه عديد من المؤشرات الاقتصادية، فعلى صعيد التجارة، فقد شهد حجم التبادل التجاري بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط ارتفاعا ملحوظا في السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت حجم صادرات الصين إلى المنطقة من نحو 136 مليار دولار في 2019 لتصل بنهاية 2023 إلى 217 مليار دولار بمعدل نمو تراكمي يصل إلى 60 %، على مستوى الواردات فقد ارتفعت واردات الصين من دول المنطقة من نحو 160 مليار دولار في 2019 لتصل بنهاية 2023 إلى نحو 228 مليار دولار، بمعدل نمو تراكمي يصل إلى 42 %.
التطور في مستوى العلاقات الاقتصادية تبرزها أيضا مؤشرات الاستثمار، حيث جاءت الصين في المرتبة الأولى عالميا من حيث حجم الاستثمار في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا خلال 2023 وذلك بحجم استثمارات وصلت إلى 42.1 مليار دولار لتستحوذ بذلك المنطقة على 26 % من إجمالي حجم استثمارات الصينية الخارجية، ووفقا لتوزيع الاستثمارات على الدول، فقد احتلت عددا من دول المنطقة مراكز متقدمة، حيث جاءت السعودية في المرتبة الأولى كأهم وجهة استثمارية للشركات الصينية خلال 2023 وذلك بحجم استثمارات وصلت إلى 16.8 مليار دولار، بينما جاءت المغرب في المرتبة الرابعة عالميا خلال نفس الفترة بنحو 9.8 مليار دولار، فيما احتلت مصر المرتبة السادسة بنحو 8.3 مليار دولار.
ولكن لماذا أصبحت المنطقة تشكل تلك الأهمية للاقتصاد الصيني؟ تلك الفرضية يمكن تفسيرها عبر عدد من المحاور، الأول هو الصعوبات التي أصبح يعاني منها الاقتصاد الصيني داخليا في الفترة الأخيرة سواء بسبب الأزمات الاقتصادية التي تضرب الداخل الصيني مثل الأزمة العقارية وتباطؤ الطلب، أو الأزمات الخارجية والناتجة عن التوتر بين الصين والولايات المتحدة وحلفائها، حيث فرضت الأخيرة تعريفات على الصادرات الصينية وبالأخص المتقدمة منها مثل السيارات الكهربائية، بجانب العقوبات على قطاع التكنولوجيا الصيني خاصة الرقائق الإلكترونية، تلك الصعوبات دفعت الشركات الصينية للبحث عن وجهات جديدة.
المحور الثاني هو أهمية المنطقة للاقتصاد الصيني فمنطقة الشرق الأوسط التي يشكل موقعها الجغرافي أهمية كبيرة في حركة التجارة الصينية وتؤدي دورا هاما في مبادرة الحزام والطريق الصينية، إضافة إلى السوق الكبير في المنطقة الجاذب للبضائع الصينية، موارد المنطقة أيضا تشكل أهمية كبيرة للصين، فالصين أكبر مستورد للنفط في العالم وواحدة من أهم مستوردي الغاز الطبيعي المسال تعتمد على دول المنطقة في تلبية احتياجاتها كلها عوامل ترجح كفة المنطقة ويعطيها أهمية كبيرة، بالوصول إلى القارة الإفريقية التي أصبحت الصين واحدة من أهم الفاعلين بداخلها عبر مشاريعها المنتشرة في مختلف الدول، فتتمتع بدرو هام، حيث تعتمد الصين على القارة في توفير احتياجاتها من عديد من المعادن الهامة مثل الكوبالت والنحاس وغيرها من المعادن الأخرى اللازمة للصناعات الحديثة مثل بطاريات السيارات الكهربائية إضافة إلى الطاقة المتجددة.
حجم الزخم الكبير للاستثمارات الصينية في المنطقة من المتوقع أن يعود بالنفع على اقتصاداتها، فأخيرا تحولت الصين لرائدة في عديد من الصناعات حول العالم، وسيكون تدفق الاستثمار فرصة لتطوير الصناعات المحلية، على سبيل المثال في قطاع مثل السيارات وبالأخص الكهربائية أصبحت الصين أهم الفاعلين في العالم في الصناعة وما يرتبط بها من سلاسل إمداد وتوريد مثل البطاريات وبالتالي نقل إنتاج تلك السيارات إلى دول المنطقة سيسهم في تطوير الصناعة بشكل كامل سواء من الاستفادة من المعرفة الفنية أو تدريب الكوادر المحلية إضافة إلى تطوير العشرات من الصناعات المحلية التي توفر سلسلة الإمداد لإنتاج السيارات.