رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


السيطرة على البطالة وتحفيز النمو الاقتصادي

عاد معدل البطالة بين المواطنين إلى الارتفاع مجددا من 8.3 في المائة بنهاية الربع الثاني من العام الجاري، إلى مستوى 8.6 في المائة بنهاية الربع الثالث من العام الجاري، مدفوعا بالارتفاع الطفيف للبطالة بين الإناث من السعوديات للفترة نفسها، الذي ارتفع من 15.6 في المائة إلى 16.3 في المائة بنهاية الربع الثالث الماضي، في الوقت الذي استقر معدل البطالة بين الذكور عند 4.6 في المائة للربع الثالث على التوالي. بينما على مستوى المقارنة السنوية، أظهر معدل البطالة تباطؤه من 9.9 في المائة بنهاية الربع الثالث من العام الماضي إلى 8.6 في المائة، متأثرا بتباطئه لدى الإناث من 20.5 في المائة إلى 16.3 في المائة، مقابل تصاعده لدى الذكور من 4.3 في المائة إلى 4.6 في المائة خلال فترة المقارنة السنوية.
ووفقا للبيانات الأخيرة الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء بنهاية الربع الثالث من العام الجاري، فقد سجل العاملون من السعوديون في القطاع الحكومي نموا سنويا وصل إلى 6.3 في المائة (أعلى من 1.6 مليون عامل)، وسجل إجمالي أعدادهم في القطاع الخاص للفترة نفسها نموا سنويا وصل إلى 6.2 في المائة (2.3 مليون عامل)، ليحافظ القطاع الخاص على نسبة مساهمته القصوى في توظيف العاملين السعوديين في سوق العمل عند 58 في المائة للعام الـ11 على التوالي. ويمكن تفسير الجزء الأكبر من ارتفاع البطالة أخيرا، وتباطؤ معدلات نمو التوظيف في القطاع الخاص، بعديد من العوامل الأساسية، يأتي في مقدمتها تباطؤ النمو الحقيقي للقطاع الخاص بنهاية الربع الثالث الماضي إلى 3.4 في المائة، مقارنة بالربع نفسه من العام الماضي البالغ 6.2 في المائة، ومقارنة بنموه خلال الربع الثاني من العام الجاري الذي بلغ 5.2 في المائة، وتأثره بارتفاع معدل الفائدة (تكلفة التمويل) إلى مستويات مرتفعة عدت الأعلى تاريخيا خلال 23 عاما مضت (6.1 في المائة كمتوسط تاريخي)، إضافة إلى التقلبات التي شهدتها أسواق النفط العالمية، وانعكاساتها محليا ما أدى إلى تراجع النشاط الصناعي المشمول بالنفط بنحو 12.7 في المائة (تراجع باستبعاد النفط بنحو 0.4 في المائة)، مقارنة بنموه سنويا خلال الفترة نفسها من العام الماضي بنحو 12.9 في المائة (ارتفع باستبعاد النفط بنحو 9.6 في المائة)، وتباطأ النمو السنوي لنشاط الخدمات للفترة نفسها إلى 4.3 في المائة، مقارنة بنموه سنويا خلال الربع نفسه من العام الماضي بنحو 4.6 في المائة.
وفي ظل التوقعات باستمرار التحديات والضغوط على معدلات النمو الاقتصادي عالميا، وامتداد تأثيراتها في الاقتصاد المحلي، في الوقت ذاته الذي يعول على القطاع غير النفطي محليا بمحافظته على وتيرة النمو رغم تلك الأوضاع غير المواتية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وما له من تأثيرات معاكسة في أسعار النفط العالمية والأسواق عموما، الذي دفع إلى توقعات نمو جيدة للاقتصاد السعودي خلال العام المقبل بنحو 4.4 في المائة (وزارة المالية)، وتوقعه كل من صندوق النقد والبنك الدوليين عند 4.0 في المائة ونحو 4.1 في المائة بحسب الترتيب، ما يعني في مجمله قدرة الاقتصاد الوطني على المحافظة على متانة نموه المستدام، وقدرته على تحقيق معدلات جيدة في جانب التوظيف وتوليد الوظائف أمام الموارد البشرية المواطنة، بما يفتح المجال أمام احتمالات أن يستعيد وتيرة الضغط على معدل البطالة بمزيد من الانخفاض كسيناريو أول، ويتمكن بدوره من خفضها خلال العام أو العامين المقبلين بمشيئة الله تعالى، أو أن تظل تحت السيطرة ولا تعود إلى الارتفاع مجددا كسيناريو آخر، وهي الاحتمالات التي تظل في المجمل أفضل من التوقعات التي تنتظرها أغلب أسواق العمل عالميا خلال العامين المقبلين على أقل تقدير، الناتجة عن تزايد احتمالات ركود الاقتصاد العالمي تحت ضغوط السياسات المتشددة للبنوك المركزية لمواجهة التضخم، وتوقعات ألا يتجاوز النمو الاقتصادي العالمي لسقف 2.9 في المائة خلال 2024، وتحسنه بصورة طفيفة إلى نحو 3.2 في المائة خلال 2025 وفقا لأحدث تقديرات صندوق النقد الدولي بنهاية أكتوبر الماضي، التي اقترنت باحتفاظ معدل التضخم العالمي بمستويات أعلى من مستهدفات البنوك المركزية (2.0 في المائة)، حيث توقع صندوق النقد الدولي أن يبقى معدل التضخم العالمي عند 5.8 في المائة خلال 2024، ونحو 4.6 في المائة خلال 2025 وصولا إلى 3.8 في المائة بنهاية 2028، ما يعني محافظة البنوك المركزية حول العالم بقيادة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بمعدلات فائدة مرتفعة لعدة أعوام مقبلة، وحتى مع توقعات قيام أغلب تلك البنوك بخفضها خلال تلك الأعوام، يتوقع ألا تتنازل في المتوسط عن سقف 4.0 في المائة استعدادا للتضخم، ومنعا لعودته من الارتفاع مجددا إلى مستوياته القياسية التي كان قد وصل إليها في 2022، وكل هذا سيمثل بالتأكيد ضغوطا ذات آثار ملموسة في النمو الاقتصادي العالمي، وفي التجارة الدولية وعلى أغلب أسواق العمل في مختلف الاقتصادات، ما يعني بدوره عودة معدلات البطالة للارتفاع بالتزامن مع توقعات تباطؤ أو ركود عديد من اقتصادات الدول المتقدمة.
ختاما كما سبق التأكيد عليه، تتطلب الفترة المقبلة المكتظة بالتحديات الاقتصادية عالميا، أن يتم انتهاج منهجية جديدة تقوم بالانتقال من التركيز الكمي والكلي على الوظائف، إلى التركيز النوعي والتخصصي حسب الوظائف والمهارات والأجور، الذي سيؤدي إلى تخفيف الأعباء عموما على كاهل القطاع الخاص فيما يتعلق بالوظائف الأدنى أجورا ومهارة ومؤهلات علمية أدنى، ما سيؤدي إلى تخفيض تكاليفها على ميزانيات المنشآت، ومن ثم خفض أسعار الخدمات والمنتجات والسلع وزيادة تنافسيتها محليا وخارجيا. وفي المقابل، نقل وتركيز وزيادة تلك الأعباء إلى الوظائف الأكثر طلبا من الموارد البشرية المواطنة، التي سيسهم تحققها في رفع تكلفة توظيف العامل الوافد في تلك الوظائف على المنشأة، ما سيدفعها بدرجة أكبر إلى تفضيل الاعتماد على الموارد البشرية المواطنة، والخروج من الوضع الراهن الذي سمح بزيادة وظائف العمالة الوافدة أكثر من المواطنة في الوظائف الأكثر طلبا والأعلى أجورا. وكل هذا يدفع إلى التأكيد على أن يتم اعتماد سياسات ومبادرات استثنائية تستهدف منح النصيب الأكبر من نمو الوظائف لمصلحة العمالة المواطنة، والاستفادة بأكبر قدر ممكن من الإنفاق الحكومي التحفيزي للاقتصاد الوطني، ومبادرة أرباب العمل في القطاع الخاص بمشاركة أكبر لجهود ومبادرات وزارة الموارد البشرية، تقوم على الاعتماد بدرجة أكبر على الموارد البشرية المواطنة، سواء في طريق الوظائف الجديدة، أو على مستوى إحلال الوظائف.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي