سلاسة التجارة لاستكمال التعافي
تسعى الجهات الصينية المختصة، بكل ما تملك من أدوات، إلى تعزيز الوضع التجاري والاستثماري، خصوصا في القترة التي أعقبت المصاعب الاقتصادية الناجمة عن مجموعة من العوامل، في مقدمتها الاضطراب الاقتصادي العالمي. وخلال العامين الماضيين، فرضت الصين قيودا محكمة في مواجهة تبعات جائحة كورونا، وأعلنت سياسة "صفر كوفيد" بصرف النظر عن التأثيرات السلبية المحلية في الاقتصاد.
فالهدف الأول بالنسبة إلى بكين، أن تكون الساحة الاقتصادية متاحة ومفتوحة ومرنة، من أجل استكمال عملية التعافي، التي يعتقد شي جين بينج الرئيس الصيني نفسه أنها لن تكون قصيرة، وأنها تمر بمراحل صعبة. ويمكن فهم التحركات التي ينفذها المشرعون في كل القطاعات، للوصول إلى الحالة التي تعيد عجلة ثاني أكبر اقتصاد في العالم إلى ما كانت عليه في العقد السابق.
ومن أهم الخطوات الراهنة التي تنفذها السلطات في بكين، تلك الخاصة بتسهيل مسارات التجارة والاستثمار، والتمويل عبر الحدود. فهناك مشكلات محلية حقيقية تتعلق بمشكلات تمر بها بعض القطاعات بما فيها القطاع العقاري، والتحرك لتسهيل النشاط الاقتصادي بشكل عام عبر تشريعات مرنة، سيقلل بلا شك من الآثار التي تتركها هذه المشكلات في الساحة. مع العلم، بأن الصين لا تزال تتمتع - وفق المؤسسات العالمية المعروفة - بأعلى مستوى من النمو في العامين الحالي والمقبل، إلا أن ذلك لا يضمن لها حلحلة المشكلات السائدة على الساحة المحلية عموما.
ففي الأيام الماضية، خفضت وكالة "موديز" الأمريكية تصنيف الصين الائتماني من مستقر إلى سلبي، رغم القفزات النوعية التي حققتها الحكومة في بكين على صعيد الخروج من الضغوط الاقتصادية عموما.
المسار الاقتصادي الراهن يتطلب مجموعة من الخطوات يقوم بها المشرعون الصينيون بالفعل، منها زيادة المعدل اليومي للزبائن في المراكز التجارية. وهذه النقطة تعد مهمة للغاية لإعادة تنشيط السوق المحلية بالدرجة الأولى، ومنح الإنتاج بأنواعه قوة دفع محلية ضرورية في هذا الوقت بالذات.
وتستهدف السلطات المختصة بالدرجة الأولى تعزيز الانفتاح المالي، من أجل المساهمة المباشرة في تحريك النشاط التجاري والاستثماري عموما. أي تبسيط الإجراءات المتبعة حاليا في إدارة النقد الأجنبي.
وهذه النقطة تمثل أهمية، لأنها تدفع الحراك التجاري بصورة كبيرة، وتشجع مزيدا من الاستثمارات لدخول السوق الصينية عموما. ولا شك أن السلطات المحلية تسعى بقوة، ليس فقط إلى زيادة حيوية السوق، بل وتعزيزها بصورة مستدامة أكثر في المستقبل. وكل هذا يصب في مصلحة الاقتصاد الوطني الذي يمر - كغيره من الاقتصادات الكبرى - بفترة حرجة.
ومن أهم النقاط المستهدفة في هذه الساحة، أن الصين تسعى منذ أكثر من عقدين إلى رفع جودة التطور الابتكاري محليا. وهذه النقطة تمثل واحدا من مصادر الخلافات بين بكين وواشنطن. ومن هنا، فإن الإجراءات الصينية الجديدة، ستحقق هدفا مهما، هو تحسين سياسات النقد الأجنبي للابتكار التكنولوجي. إلى جانب طبعا، تحسن أداء الاستثمارات الأجنبية، خصوصا إذا ما تحقق النجاح على ضمان تعاف اقتصادي في وقت أسرع، وعدم توسيع دائرة المواجهات الاقتصادية مع جهات بعينها على الساحة الدولية.
إن ضمان استقرار التجارة والاستثمارات الأجنبية، يعد المحور الرئيس في سياسات الصين الاقتصادية بشكل عام. فحكومة بكين، تعتمد بصورة كبيرة على هذين العاملين، وتمكنت في العقود الماضية من تحقيق قفزات نوعية على صعيد التنمية، وتوسيع نطاق الناتج المحلي الإجمالي. أي إجراءات تستهدف تسهيل النشاطات المالي والتجاري والاستثماري، ستؤدي حتما إلى ضمان، ليس تعافيا صينيا منتظرا، بل نشاطا اقتصاديا سيسهم في تعزيز حتى النمو الاقتصادي العالمي.