الدولة الحديثة .. والمرأة
قليلة هي التجارب المجتمعية التي تنجح في تحقيق "نموذج مميز للتنمية البشرية"، وهو الوصف الذي أطلقته الدكتورة عزيزة المانع، في كتابها الصادر حديثا بعنوان "الدولة الحديثة وتحديات تنمية المرأة في المملكة العربية السعودية"، الذي تستهله بدافعين أساسيين لتأليف كتابها، هما: ما تحقق للمرأة منذ التوحيد وانطلاق الدولة الحديثة إلى اليوم، والإيضاح لبنات هذا الجيل، أن "ظروف الحياة السعيدة التي يعشن فيها" هي ثمرة كفاح الأجيال الماضية، ولأن حقائق التاريخ الاجتماعي يجب أن تسجل.
المهم والجاذب في هذا الكتاب هو أن ما عانته المرأة من "التحيز الجنسوي" في كتب الأدب والتاريخ، والمضمون الثقافي السيئ الخاص بها أو عنها، والاستبعاد الاجتماعي، تناولته المؤلفة كشيء حدث ويحدث في مختلف دول العالم، وليس المملكة فقط، وكان تناولها بالأمثلة التاريخية، وتلك التي تضمنتها كتب الفلسفة والأدب والدين في أكثر من حقبة وفي ثقافات متعددة.
إنه أحد الكتب التي تنصف التجربة السعودية فيما يتعلق بالمجتمع إجمالا، وبالمرأة على وجه الخصوص، حيث تناول تاريخ المرأة الاجتماعي، وما أحاط تنمية المرأة من تحديات "يمكن إرجاعها إلى الرؤى الفكرية والمفاهيم السلبية عن المرأة، التي رسخت في أذهان الناس عبر ما يصل إليهم من مصادر ثقافية تكتظ بالتقليل من قيمتها".
لا يمكن استعراض الكتاب بالتفصيل في هذه المساحة، لكن عناوين الفصول وما تبعها من جمل من الشعر أو التراث تعطي لمحة لمن يريد قراءة الكتاب، ففصل تحديات تعليم المرأة كتب تحته "لك إبطاء المدل المنعم!"، وفصل تحديات عمل المرأة كتب معه "الناس أعداء ما جهلوا"، وفصل التحديات الخطاب الثقافي جاء تحته "هل حقا، هن الشقائق؟"، وفصل تحديات تنمية المرأة في رؤية 2030 كتب تحت عنوانه "جادك الغيث إذا الغيث همى"، وهكذا دواليك.
الكتاب كتب بلغة سهلة تجذب الشباب والشابات الذين رغبت المؤلفة في إطلاعهم بهدوء وثقة على ماضي المرأة وواقعها في أكثر من ثقافة، وهي فيما يبدو لي تود أن تقول لهم إن نعمة هذه الرؤية وهذا العهد الزاهر يجب أن تحفظ، وأن يتم البناء عليها للوصول إلى ما تستحقه المرأة.
ما حدث في المملكة خلال أعوام قليلة يحتاج إلى مثل هذه الكتب، فليست المرأة وحدها من أنصفت إلى حد كبير، وإن كانت هي الأكثر احتياجا لاسترجاع ما تستحق، المجتمع بأكمله حصل على كثير من "ظروف الحياة السعيدة".