سوق المكاتب التجارية .. المصاعب تكبر
عانى النشاط الاقتصادي على الساحة الدولية عموما، والدول الغربية على وجه الخصوص، خلال الأعوام القليلة الماضية، حالات إفلاس في مختلف القطاعات، أسهمت الآثار التي تركتها جائحة كورونا في زيادتها، إضافة إلى حالة عدم اليقين الاقتصادي عموما، بما في ذلك الموجة التضخمية الحادة والمرتفعة في الوقت نفسه، التي لا تزال حاضرة في المشهد الاقتصادي، واضطرابات عنيفة أصابت سلاسل التوريد، إلى جانب الضغوط الآتية من الزيادات المتلاحقة لأسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية الرئيسة حول العالم. وحالات إفلاس الشركات ليست جديدة على المشهد العالمي، لكنها زادت حدتها منذ مطلع العقد الحالي، بما أضاف مزيدا من الضغوط إلى الأطراف ذات الصلة مباشرة والحكومات أيضا، خصوصا أن هذه الحالات ترفع من معدلات البطالة، التي تثقل أساسا كاهل الموازنات العامة.
من أكثر المؤسسات التي تعرضت لمصاعب كبيرة حول العالم، ولا سيما على الساحة الغربية، تلك المختصة بالعقارات التجارية والمكتبية، فضلا عن المؤسسات التي تعمل في مجالات البناء والتشييد، خصوصا على الساحة الأمريكية التي سجلت عددا متصاعدا من الشركات التي تعاني مصاعب على صعيد أدائها، وتواجه تراجعات كبيرة في أسعار أسهمها المطروحة. والأمر ليس مختلفا من حيث طبيعة حالات الإفلاس وليس أحجامها على الساحة الأوروبية. ويبدو واضحا، أن المشكلات التي تعانيها هذه الشركات ستتواصل إلى مدة لا يمكن لأحد أن يحدد زمنها، خصوصا أن سوق العقارات التجارية والمكتبية لم تعد إلى ما كانت عليه قبل ثلاثة أعوام، وربما لن تعود مستقبلا.
وهذا ما أظهرته بوضوح المصاعب التي تواجه شركة أمريكية كبيرة مثل "ويوورك"، التي مثلت أمام محكمة الإفلاس من أجل تأمين إعادة الهيكلة، لتخفيض ديون تصل إلى ثلاثة مليارات دولار. فهذه الشركة العقارية خسرت في الآونة الأخيرة أكثر من 98 في المائة من قيمتها، بمعنى آخر وصلت إلى ساحة الإفلاس بالفعل. ويعود السبب الرئيس في المشكلات التي تواجهها هذه الشركة، إلى أنها توسعت بسرعة، بعدما كانت قيمتها السوقية قد بلغت أكثر من 47 مليار دولار. وهذا التوسع أتى في الوقت الذي بدأت فيه الاضطرابات تضرب قطاع العقارات عموما على الساحة الأمريكية وحتى العالمية التي تتمثل في أكبر الاقتصادات.
وبصرف النظر عن القرارات الخاطئة التي اتخذت في عملية التوسع، خصوصا من ناحية التوقيت، إلا أن "ويوورك" ليست الوحيدة التي تعاني مشكلات لا حدود لها.
وبات واضحا، حتى منذ انفجار كورونا، أن قطاعات مختلفة لن تتأثر فقط لفترة محدودة بهذا الوباء، بل ستتأثر به إلى الأبد. فمساحات مكتبية هائلة في الولايات المتحدة، وكذلك في أوروبا، باتت فارغة، وحتى تلك التي يتم إشغالها حتى اليوم، فقد تم تأجيرها بأسعار ما قبل الجائحة، بعقود طويلة الأمد. أي إن الشركات والجهات التي تقوم بتأجيرها، لا تستطيع تعديل قيمة الإيجارات حتى نهاية هذه العقود. والحق، أن تراجع الطلب على المساحات المكتبية انعكس سلبا على الجهات المساندة للمكتب. وحتى العقارات التجارية، تتعرض أيضا لتراجع الطلب عليها، في ظل تغييرات أعادت تشكيل مفهوم العمل من المكاتب عموما.
وهناك شركات أمريكية أصغر حجما من "ويوورك" خرجت بالفعل من السوق العقارية التجارية في الأعوام الثلاثة الماضية، والعدد يرتفع، بعد أن تتفكك قوة الشركات المعنية في الصمود لفترة طويلة.
ومن هنا، فإن حالات الإفلاس في هذا القطاع على وجه الخصوص، مرشحة للارتفاع في الأعوام القليلة المقبلة. فإذا كانت شركة كتلك المشار إليها تمتلك مساحات مكتبية في 777 موقعا حول العالم، لم تستطع أن تواصل أداءها، ولجأت إلى الحماية، فكيف الحال بالشركات الأقل حجما، أو المكاتب الصغيرة المرتبطة بها؟