رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«كماشة» ديون إفريقيا تضغط

"أفضل الذهاب إلى سريري جائعا، على أن أكون مدينا"
بينجامين فرانكلين، أحد مؤسسي الولايات المتحدة
لم تتوقف التحذيرات من تعاظم ديون القارة الإفريقية، بل تزداد يوما بعد يوم، مع تراكم هذه الديون. والحق، أن التحذيرات هذه لا تقتصر على دول القارة، بل تشمل حتى الدول المتقدمة، التي فاقت في بعضها حجم نواتجها المحلية الإجمالية. إلا أن الأمر في دول نامية أو فقيرة أو أشد فقرا، يبقى خطرا للغاية، ولا سيما في ظل غياب أي مؤشرات عملية تدل على أن ديون الأفارقة يمكن السيطرة عليها في الأعوام المقبلة، أو أن العواصم الإفريقية قادرة على مواصلة خدمة الديون، دون تأثيرات سلبية في التنمية المحلية. مشكلات الديون ليست جديدة بالطبع، لكنها أخذت زخما كبيرا في الأعوام الماضية، وتفاقمت أكثر في أعقاب انفجار جائحة كورونا، التي أوقفت حراك الاقتصاد العالمي ككل، فضلا عن التأثيرات التي لا تزال حاضرة على الساحة من جانب الموجة التضخمية الهائلة.
المشكلة الأهم فيما يتعلق بالديون الإفريقية، أن نسبة كبيرة من الدول المدينة، تشهد انتهاكات حقيقية للقواعد المالية، في حين أن الإيرادات تبقى أقل مما هو مطلوب لمواجهة أعباء الدين. ففي غضون عقد من الزمن تقريبا، تضاعف متوسط نسبة الدين في دول إفريقيا جنوب الصحراء. فقد زادت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2013 إلى ما يقرب من 60 في المائة من هذا الناتج في 2022. ولأن الأمر كذلك، صارت عمليات سداد هذه الديون أكثر تكلفة، ليس فقط من ناحية مدة فترات السداد، بل أيضا من جهة ارتفاع معدلات الفائدة على العملات الرئيسة، وفي مقدمتها الدولار الذي تسحب أغلبية هذه الديون به. في الفترة الأخيرة زادت الضغوط من هذا الجانب، بعد أن التزمت البنوك المركزية برفع تكاليف الاقتراض لمواجهة زيادة التضخم واتساع رقعته.
هذا ما يدفع للتركيز على التقييم المهم لصندوق النقد الدولي بداية العام الماضي، الذي أشار فيه إلى أن أكثر من نصف الدول منخفضة الدخل في إفريقيا جنوب الصحراء، معرضة لأخطاء عالية، أو تعاني بالفعل ضائقة الديون. وبحسب آخر البيانات، فقد زادت مدفوعات الفائدة بالنسبة إلى الإيرادات منذ عقدين تقريبا لتسجل أربعة أضعاف النسبة في الاقتصادات المتقدمة. بالطبع لا وجه للمقارنة بين دول فقيرة ترزح تحت وطأة الديون المتعاظمة، ودول قادرة على مواجهة كل الضغوط الاقتصادية بما فيها الديون. غير أن المصاعب الآتية من الديون في دول تعاني ضغوطا هائلة، ولا تتمتع بمستويات تنموية معقولة، تزداد خطورة. والسؤال الأهم الذي يطرح حاليا، هل هناك أزمة ديون تلوح في الأفق بهذه المنطقة؟ فمثل هذه الأزمة حتى لو كانت إفريقية، إلا أنها مرتبطة بالحراك المالي العالمي ككل. أي أزمة إقليمية بمخاطر دولية.
بين 2000 و2022 تضاعفت ديون الدول الإفريقية عموما، بحيث لامست تريليون دولار، مع ارتفاع إمكانية تخلف بعض الدول عن السداد. وبالفعل تخلف عدد من هذه الدول عن سداد ديونه ما دفع الجهات الدائنة إلى إعادة هيكلتها، وتسببت في مصاعب تمويلية كبيرة فيها. وتنحصر 66 في المائة من ديون إفريقيا الخارجية في تسع دول، تتصدرها جنوب إفريقيا بـ15 في المائة. لكن اللافت هنا، أن 22 بلدا في القارة السمراء، تعاني بصورة مخيفة أعباء الديون، وبعضها غير قادر على الوفاء بالتزاماته تجاه الدائنين. وارتفعت حدة المصاعب أكثر، في أعقاب جائحة كورونا، التي أكد صندوق النقد الدولي، أن إفريقيا تحتاج إلى تمويلات إضافية تصل إلى 285 مليار دولار ما بين 2021 و2025، لمواجهة تداعيات هذه الجائحة.
كل هذا يحدث، في ظل مجموعة من العوامل المعيقة لوصول الدول المدينة إلى مستوى يمكنها من الالتزام بتعهداتها المالية، على رأسها انخفاض النمو، مع تراجع أسعار السلع، واضطرابات كبيرة في قطاع التصدير، فضلا عن مشكلات عميقة جدا في الأنظمة المالية لهذه الدول. ووفق بعض الجهات الدولية، فإن هناك ما بات يعرف بالدين الخفي لم يتم الإفصاح عنه لأسباب سياسية أو معيشية أو غير ذلك. وهذا يبرز ضرورة وجود عامل محوري جدا في سبيل علاج أزمة الديون في هذا البلد أو ذاك، وينحصر هذا العامل في حتمية إطلاق استراتيجية متوسطة الأجل تستند إلى مصداقية دولية. فكل السياسات قصيرة الأجل أدت في النهاية إلى تعاظم الديون وتكاليفها.
وإذا ما تم ذلك بالفعل، مع إطار من الشفافية المطلوبة، فإن تحركا من جانب الجهات الدائنة على صعيد خفض الفائدة، وإدارة الديون بأعلى معايير الجودة، سيؤدي حتما إلى إزالة المخاطر الآتية من القروض المكلفة، وبالتالي ستقلل من احتمال وقوع بعض الدول في دائرة العجز عن السداد. إنها مسألة مشتركة بين كل الأطراف، وأولها بالطبع الدول المدينة التي يجب عليها التعاطي مع هذه المشكلة الخطيرة، بجدية وانضباط، بما يكفل لها مسارا اقتصاديا ماليا مقبولا في المرحلة المقبلة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي