الأسعار لا تتراجع بالاحتكار الخفي
كثر الحديث خلال الفترة الماضية من المختصين الاقتصاديين والمنظمات الدولية ذات العلاقة بالقضايا الاقتصادية والتجارية عن علاقة ارتفاع معدل التضخم وارتباطه بارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية مثل الأطعمة والطاقة والنقل والملابس، ما يؤدي بدوره إلى رفع تكلفة المعيشة، وكان النقاش محل جذب وشد في ظل الظروف التي تعيشها مؤشرات نمو الاقتصاد العالمي من تراجع. وعلى هذا الصعيد ومن خلال تقرير نشرته قبل أيام منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو"، أفاد بأن المقياس العام للأسعار الدولية للسلع الغذائية سجل انخفاضا بنسبة 10.7 في المائة من مستواه المسجل قبل عام من الآن، وأدنى بنسبة 24 في المائة من أعلى مستوى له على الإطلاق كان قد سجله في مارس 2022.
وبالعودة إلى تقرير سابق صدر من المنظمة الدولية نجد أن مؤشر أسعار الأغذية قد بلغ ذروته في سبتمبر 2022 عند مستوى 143 نقطة، حيث قفزت كل مكونات المؤشر العالمي الخمسة، وهي: اللحوم ومنتجات الألبان والحبوب والزيوت النباتية وأسعار السكر، لقد ارتفعت جميعها بشكل واضح وهذا كان مرجعه إلى ارتفاع معدلات التضخم الذي اجتاح معظم دول العالم، وتعود أسبابه إلى مشكلات في سلاسل الإمداد والحرب في أوكرانيا التي اتسعت دائرتها ورقعتها الجغرافية ونتجت عنها تداعيات اقتصادية سلبية على كثير من الدول حتى خارج نطاق هذه الحرب، إضافة إلى الخروج غير المتزامن من آثار الأزمة الصحية العالمية، كل تلك الأسباب دعت البنوك المركزية إلى تسريع سياساتها النقدية ورفع أسعار الفائدة، وهو ما جعل الأسعار تستقر نوعا ما، ولكن التراجع الذي حدث بعد في أسعار الغذاء لا يعود إلى أسعار الفائدة، بل يعود إلى معالجة المشكلات الأساسية المتعلقة بسلاسل الإمداد والعمال وحركة التصدير، ولهذا تراجع المؤشر بشكل ملحوظ، فمثلا يشير التقرير الدولي إلى حدوث تباطؤ مبيعات المزارعين في الأرجنتين وارتفاع معدلات الشحن بالسفن لتدني مستويات المياه في نهر المسيسبي في الولايات المتحدة. فهذه العوامل الطبيعية هي المؤثر الأساس في تغيرات أسعار التصدير العالمية، ومثل ذلك ما أشار إليه التقرير عن تراجع الأسعار الدولية للقمح بنسبة 1.6 في المائة من شهر إلى آخر بفعل الإمدادات الكبيرة في الاتحاد الروسي، وتراجع المؤشر لأسعار جميع أنواع الأرز. وهذا يعني أن الإنتاج والتصدير العالمي للغذاء قد استطاعا تجاوز الأزمات التي مرت منذ الأزمة الصحية، واستطاعا التغلب على المخاوف بشكل ملحوظ، كما أن هناك لاعبين جددا في الساحة الدولية استطاعوا أن يسدوا الثغرات القائمة، وهذا قد يهدد حصص المنتجين الرئيسين، ولهذا وجد صداه بشكل واضح في تراجع الأسعار مع عدم الالتفات إلى التهديدات بوقف التصدير.
من اللافت للنظر أن مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار منتجات الألبان تراجع بنسبة 2.3 في المائة في أغسطس للشهر التاسع، وقدر فسر تقرير المنظمة هذا التراجع بسبب ضعف الطلب على الواردات العالمية والمخزونات الوافرة في المناطق المنتجة الرئيسة. كما ألقى الضعف النسبي لليورو مقابل الدولار بثقله أيضا على الأسعار الدولية لمنتجات الألبان. وانخفض مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار اللحوم بنسبة 1 في المائة عما كان عليه خلال الشهر الماضي في ظل ضعف الطلب على الواردات وتوافر كميات كبيرة متاحة للتصدير، ما أدى إلى انخفاض أسعار لحوم الدواجن والأغنام، إذ إن هناك وفرة عالمية في هذه المنتجات، وهناك منافسة قوية في التصدير مع تأثير واضح للتغير في أسعار الصرف في مصلحة من يملكون الدولار، وفي الوقت نفسه نجد أن أسعار منتجات الألبان واللحوم في السوق المحلية قد ارتفعت في اتجاه مخالف للاتجاهات العالمية، وذلك بحسب ما تم نشره من تقارير معتمدة، بل شهدت أسعار الأسماك أيضا ارتفاعات ملحوظة، وأسعار الحليب ارتفاعا واضحا، وكذلك الأجبان.
من المهم الإشارة هنا إلى أن تتبع أسعار الغذاء المحلي وفي دول الخليج يعد مختلفا عن المؤشر العالمي للغذاء الذي تصدره المنظمة الدولية، التي تتبع مؤشر أسعار لاسبير وهو مؤشر لأسعار المستهلك الذي يستخدم لقياس التغير في أسعار سلة من السلع والخدمات مقارنة بوزن فترة الأساس المحددة. تم تطوير مؤشر أسعار لاسبير بوساطة الاقتصادي الألماني إتيان لاسبير، ويسمى أيضا الطريقة المرجحة لكمية سنة الأساس، يقيس المؤشر العالمي خمس مجموعات من الغذاء وهي مؤشرات الحبوب والزيوت النباتية ومنتجات الألبان وأسعار اللحوم والسكر، لأنها تمثل عناصر مهمة للأمن الغذائي، كما أن المؤشر الدولي يعرض بياناته منذ 2005، وفقا لهذه العناصر، ومع ذلك فإن التساؤلات قائمة بشأن الأسباب الكامنة خلف عدم تراجع أسعار الغذاء المحلية تزامنا مع المؤشرات الدولية، خاصة أن معدل التضخم المحلي بلغ 2 في المائة لأغسطس، وهو أقل من المعدلات العالمية بشكل واضح. وفي الأغلب ما تختلف الأسعار المحلية أو الموجودة في منطقة الخليج عن العالمية لأسباب لا تتعلق بالصادرات العالمية ووفرة المخزونات، بل لأسباب محلية بحتة مثل أسعار النقل المحلية والتخزين، وقد تختلف أسعار الغذاء في الأسواق المحلية بناء على العرض والطلب في كل دولة، فقد يؤثر ارتفاع الطلب في سعر المنتجات الغذائية، خاصة إذا كان هناك نقص في المعروض. كما يمكن أن تؤثر التكاليف التشغيلية في الصناعات الغذائية في تكلفة إنتاج الغذاء في كل بلد. على سبيل المثال، قد تكون تكاليف المياه والطاقة والأسمدة مختلفة بين منطقة وأخرى، وقد يكون ارتفاع الأسعار أو المحافظة على مستوياتها من أشد الأدلة على وجود احتكار، وقد يكون هذا الاحتكار خفيا بأن تكون مؤسسات تجارية تسيطر على السلسلة القيمية كاملة بدءا من الاستيراد والتخزين حتى منافذ البيع، ما يستدعي من الجهات ذات الصلة التدقيق في هذه الأسباب جميعا لتقديم تفسيرات واضحة عن عدم استجابة المنتجات محليا وفي بعض دول الخليج لانخفاض الأسعار العالمية للغذاء.