رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الأسعار لا تزال ترتفع .. المعادلة معقدة

خرج الاقتصاد العالمي من 2022 وهو في وضع مضطرب، وذلك بفعل الأحداث الضخمة، التي مر بها خلال هذا العام، وخصوصا الحرب الروسية - الأوكرانية التي ترجمت أعباؤها ارتفاعا في أسعار السلع الأساسية كالطاقة والغذاء، فضلا عن الارتفاع الكبير في نسب التضخم، ولجوء المصارف المركزية إلى رفع مستويات الفائدة، ما انعكس على ارتفاع معدلات الديون وتراجعات في أسواق الأسهم العالمية.
وفي ظل هذه البيئة الصعبة، لا يضع المستثمرون في العالم آمالا كبيرة في أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية خلال 2023، فالمؤشرات الحالية توحي بأن هناك كثيرا من المخاطر التي تتربص بالاقتصاد العالمي، لم يكن عام 2022 سعيدا لأغلبية الاقتصادات، المتقدمة منها والنامية على حد سواء، فالجميع عانى معدلات التضخم، خاصة الدول المتقدمة، ومنها: أمريكا والاتحاد الأوروبي، حيث اقتربت معدلات التضخم من 10 في المائة خلال 2022. وهو ما جعل صندوق النقد الدولي يصدر رؤية تشاؤمية بشأن معدلات التضخم في الاقتصاد العالمي، ففي تقريره الدوري بعنوان "آفاق الاقتصاد العالمي" ذهب التقرير إلى أن معدلات التضخم تضاعفت خلال عامين، وعن توقعات 2023 يقدر التقرير أن تكون بحدود 6.5 في المائة، وعلى أن تتراجع لما كانت عليه في 2024 لتصل إلى 4.1 في المائة.
في أسرع مؤشراتها السلبية على الاقتصاد العالمي، أدت الحرب الروسية على أوكرانيا إلى ارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية لتتجاوز 120 دولارا للبرميل، ثم بدأت في التراجع بعد يونيو 2022، إلا أنه لا يزال يكتنفها الغموض، على الرغم من وصولها إلى سقف 90 دولارا للبرميل. وقد صاحب أزمة الطاقة ارتفاع أسعار الغذاء في السوق الدولية بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، لكون الدولتين مصدرتين للنفط والغذاء، وتسبب تأخر حركة السفن من البلدين، في حدوث أزمة حقيقية، أضرت بعديد من الدول النامية والأقل نموا. ولذلك شهدت الموازنات العامة لكثير من الدول عمليات إرباك، لمحاولات التأقلم مع مستجدات التضخم، التي ضربت كل النشاطات والقطاعات الاقتصادية.
ومن هذا المشهد القاتم لا يمكن الحديث عن استقرار الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن، ولا حتى في الأعوام القليلة المقبلة. فالتحولات التي حدثت في العامين الماضيين، ولا تزال تتفاعل حتى اليوم، فرضت معاييرها على المشهد العام. حتى في ظل وجود نمو واضح هنا وآخر هناك، فإن ذلك لا يحدث وفق وتيرة مستدامة، أي أن النمو المستدام الذي تنشده كل الدول لا يزال بعيدا عنها، بما في ذلك تلك الدول التي كانت تقود هذا النمو لأعوام عديدة وفي مقدمتها الصين.
الذي يؤثر بقوة في المشهد العام، وسيظل مؤثرا لفترة لن تكون قصيرة، هو التضخم الذي وإن تراجع في الدول المتقدمة أو تلك التي تتمتع باقتصادات كبيرة، إلا أنه لا يزال قابلا للارتفاع مجددا. النجاح يكمن الآن في إبقاء أسعار المستهلكين تحت السيطرة، بصرف النظر عن المستوى البعيد في أغلبية الدول عن المعدل المستهدف عند 2 في المائة.
ما واجهه الاقتصاد العالمي خلال الفترة الماضية كان قاسيا حقا. بدءا من جائحة "كورونا" التي أربكت الميزانيات العامة والأعمال بكل أشكالها، وأضافت مزيدا من الديون الحكومية، بسبب برامج الدعم الضرورية. وفي الفترة المشار إليها واجه العالم أزمة خطيرة من جهة سلاسل التوريد، التي شهدت اضطرابا كبيرا، انعكس على الأداء الاقتصادي العالمي الهش أصلا، وعمق ما يعرف بحالة عدم اليقين. ومع نشوب الحرب في أوكرانيا، أضافت أزمة الإمدادات المختلة، ومشكلة الطاقة مزيدا من الضغوط على الساحة الدولية. كل هذا يجري في الوقت الذي لم يبق أمام المشرعين الاقتصاديين سوى السلاح التقليدي وهو رفع الفائدة والإبقاء عليها عالية إلى أجل غير مسمى، حتى حين شهدت اقتصادات بعينها تراجعا في أسعار المستهلكين. ومن هنا، لا يمكن الحديث عن النمو المستدام، بينما التشديد النقدي متواصل.
ومن المشكلات الرئيسة في هذا المجال، أن الطلب المحلي (ولا سيما في الولايات المتحدة) يتسم بالقوة ويسير في هذا الاتجاه، الأمر الذي سيجعل التضخم أعلى مما "يتمنى" المشرعون في هذا الوقت بالذات. والأمر مشابه إلى حد بعيد على ساحة الاتحاد الأوروبي، الذي يتمسك البنك المركزي فيه بترك الباب مفتوحا لتعديل الفائدة بالرفع كلما دعت الحاجة إلى ذلك. التحسن على صعيد الموجة التضخمية يتم بالفعل، لكنه لا يزال بعيدا عن المستهدفات لدى الدول الكبرى. كل هذا يعني، أن الاقتصاد العالمي عموما، يحتاج إلى فترة من الزمن كي يتأقلم مع حالة تراجع معدلات التضخم، وانخفاض النمو المستدام، والتعايش مع مستويات الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
وفي كل الأحوال العنوان العام ليس براقا، ولن يكون كذلك لفترة من الزمن، ستتواصل فيها التحولات الهيكلية، بما في ذلك تراجع مساهمة دولة مثل الصين في النمو العالمي، وتقدم الهند. فالاقتصاد الصيني الذي بلغ فيه النمو حدود 8 في المائة لأعوام عديدة، سيكون محظوظا الآن لو حقق النسبة المستهدفة من الدولة عند 5 في المائة، فضلا عن المخاطر المتصاعدة الآتية من قطاع العقارات الصيني الذي بات على شفا الانهيار، إذا لم تتمكن الحكومة من احتواء تداعياته الراهنة.
هذه التحولات، توفر لدولة مثل الهند الفرصة كي تحتل مكانة الصين على صعيد النمو، بصرف النظر عن حجم إجمالي الناتج المحلي لكل منهما.
وأخيرا سيتواصل الغموض على الساحة العالمية، حتى في ظل التراجع الواضح لمستويات التضخم. فالمسألة لا تتعلق بخفض أسعار المستهلكين فقط، بل بالسيطرة الكاملة على التضخم، وهذا لن يحصل في وقت قريب، خصوصا إذا ما أخذنا في الحسبان الفجوات الكبيرة التي تتسع باستمرار للعجز في الميزانيات العامة في كل الدول المؤثرة اقتصاديا على الساحة الدولية. إنها عملية معقدة وأبرز سماتها الوقت.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي