رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


البراءات وما وراء الصراعات

خلال العقود الأخيرة من القرن الـ20، حدث تحول كبير تنافسي في "براءات الاختراع" نحو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وأشباه الموصلات، التي شكلت ربع جميع البراءات في الـ30 عاما بين 1990 و2020. وكانت هذه الزيادة في نسبة براءات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأغلب على حساب تكنولوجيات الآلات الميكانيكية" التقليدية"، وفقا لما ذكره تقرير مؤشر الابتكار العالمي، الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية "ويبو".
وخلال الأعوام الخمسة الماضية نمت براءات الاختراع في التكنولوجيا الرقمية بأسرع وتيرة من باقي جوانب الابتكار العالمي، إذ ارتفعت بمعدل 172 في المائة، عززتها عمليات الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي الذي نما 718 في المائة، والبيانات الضخمة التي نمت 699 في المائة.
وعلى هذا الصعيد، لا شك أن الهواتف المحمولة اليوم والاتصال اللاسلكي وأنظمة الملاحة في السيارات والعدادات الذكية تستخدم تقنيات متطورة ومبتكرة ولها حقوق فكرية، وتعمل هيئات المواصفات والمقاييس والمعايرة حول العالم على ضبط جودة هذه التقنيات، من خلال بناء معيار للمواصفات والمقاييس المطلوبة، وبمجرد اعتماد هذه المواصفات والمعايير التقنية، يتعين على الشركات المصنعة جعل منتجاتها متوافقة مع هذه المواصفات، وإلا فـإنها لن تقبل في التصنيع أو دخول البلاد.
وتشمل هذه المواصفات القياسية على سبيل المثال، مواصفات التقنيات لشبكة 5G وWiFi، وضغط الصوت والفيديو وإلغاء الضغط وتقنيات تخزين البيانات وتبادلها "مثل الأقراص المضغوطة وأقراص DVD"، وتنسيقات الصور JPEG، والصوت المنزلي وقابلية التشغيل البيني للفيديو، ومع ذلك، فإن هذه المواصفات تتطلب من الشركات المنتجة استخدام تقنيات محددة وهذه التقنيات محمية ببراءات الاختراع. عادة ما تكون لصاحب براءة الاختراع الحرية في تقرير ما إذا كان سيسمح للشركات باستغلال ابتكاراته، أو لا، ومع ذلك، فإن تضمين تقنية حاصلة على براءة اختراع في مواصفة قياسية صادرة عن هيئة معينة، يمنح صاحب براءة الاختراع قوة سوقية وهيمنة، ولهذا ظهر ترخيص يسمى بـ"براءات الاختراع الأساسية القياسية" SEP، ويطلب هذا الترخيص من مبتكري التكنولوجيا عند رغبة الشركة المصنعة في تطوير منتجاتها وفقا للمواصفة القياسية المحددة، وهنا تحاول هيئات المواصفات القياسية في العالم أن تضغط على حاملي SEP الذين يشاركون في تطوير المواصفات للالتزام بأن يكون الترخيص بشروط "عادلة ومعقولة وغير تمييزية"، وبهذا فإن مشهد التطور التقني العالمي اليوم مشهد لا يخلو من وصفه بمعركة حامية الوطيس في السيطرة على براءات الاختراع التي تحملها المواصفات المعتمدة حول العالم، أو السيطرة على تلك المواصفات بحيث تتضمن تقنيات محددة، ومن يسيطر على هذه الموصفات أو على براءات الاختراع التي تتضمنها، سيتحكم في اتجاهات الاقتصاد العالمي تماما، وقد قدمت "الاقتصادية" تقريرا عن مشهد هذا الصراع بين الشركات الصينية والأوروبية، حيث تخوض شركات صناعة السيارات في أوروبا معارك الملكية الفكرية وما يلوح وراء هذه الصراعات هو الخوف من هيمنة الصين المتزايدة.
ويؤكد موقع الإدارة الوطنية الصينية للملكية الفكرية أنه قد تم الإعلان في حزيران (يونيو) 2022 عن أكثر من 210 آلاف براءة اختراع أساسية قياسية لشبكات الجيل الخامس في جميع أنحاء العالم، وتتصدرها الصين "التي تمثل نحو 40 في المائة من الإجمالي" وتمتلك شركة هواوي العالمية 14 في المائة من ذلك، ويشير التقرير إلى أن أكبر خمسة ملاك لفئات براءات الاختراع هذه، هم: الصين "18.728، 39.9 في المائة من الإجمالي"، والولايات المتحدة "16206، 34.6 في المائة"، وكوريا "4293، 9.2 في المائة"، واليابان "3736، 8 في المائة" وأوروبا "1.833، 3.9 في المائة"، ومن حيث الشركات تحتل شركة هواوي الصينية العملاقة للتكنولوجيا المرتبة الأولى مع 6583 عائلة براءات اختراع "14 في المائة" تليها Qualcomm وSamsung وLG وOPPO.
جدير بالذكر أن الصين تحتل سبع منصات من بين أكبر 15 منصة للحصول على براءات اختراع في العالم، حيث تشترك الولايات المتحدة واليابان وأوروبا وكوريا في اثنتين لكل منهما، ويؤكد التقرير الذي نشرته "الاقتصادية" هذه المعلومات من حيث إن الصين بقيادة "هواوي"، قدمت سيلا من براءات الاختراع في التكنولوجيا الأساسية التي تسمح للمنتجات، من السيارات إلى الأجهزة المحمولة، بالاتصال بشبكات اتصالات الجيل الرابع "4 جي" والجيل الخامس "5 جي" وواي فاي، وكانت الشركات الصينية وراء 65 في المائة من طلبات تسجيل براءات الاختراع الأساسية القياسية العام الماضي، المرفوعة إلى هيئة المعايير والمعهد الأوروبي لمعايير الاتصالات، ارتفاعا من 37 في المائة في 2019، ولهذا أبدى مفوض الاتحاد الأوروبي قلقه من هذه الحالة، حيث إنه منذ 2014 انخفضت نسبة براءات الاختراع الأساسية القياسية التي تمتلكها الشركات الأوروبية على مستوى العالم من 22 إلى 15 في المائة، في حين تضاعفت نسبة الشركات الصينية.
هذا الاهتمام المتصاعد بالفوز بحصة كبيرة من حقوق براءة الاختراع المضمنة في المواصفات القياسية، يثير قلقا لا حد له في صناعة السيارات بشكل خاص، لعدة أسباب، أولها أن هذه الاختراعات التي تسيطر عليها شركات صينية قد يعرض سلاسل الإمداد العالمية لمشكلة كبيرة، فيما لو تصاعدت التوترات الجيوسياسية بين واشنطن وبكين، فلا تزال الأوضاع متوترة بين الدولتين على قضايا مختلفة من بينها تايوان وكذلك مخاوف تورط شركة هواوي في تجسس إلكتروني وسرقة أسرار التكنولوجيا، ما قد يعيد سيلا من العقوبات والعقوبات المضادة، ويهدد كل سلاسل الإمداد العالمية. المشكلة الأخرى تتعلق بزيادة تكلفة التراخيص المرتبطة بحق استخدام التكنولوجيا المرتبطة ببراءة اختراع ضمن مواصفات قياسية، فقد حققت "هواوي" نحو 1.3 مليار دولار من تراخيص براءات اختراعاتها بين 2019 و2021، ومع تزايد نهم الشركات الصينية على هذا النوع من التجارة أصبحت شركات الصناعات التقليدية قلقة بشأن تسعير تراخيص الملكية الفكرية لمعدات الاتصالات، خاصة مع تزايد الطلب على منتجات ذات اتصال بشبكات G5 وإنترنت الأشياء، وقد سجل تقرير "الاقتصادية" أن شركات من بينها "نوكيا" و"إريكسون"، تضع رسوم براءات اختراع الاتصال وفقا لسعر السيارة، ورغم أن تكلفة استخدام براءة الاختراع تقدر بنحو 20 دولارا للسيارة مثلا، إلا أن السباق المحموم والصراع على تضمين هذه البراءات في مئات المواصفات، يجعلان فاتورة رسوم الترخيص باهظة.
وأخيرا وبعيدا عن مشكلة التكلفة، ومع احتدام الصراع والمنافسة، فهل سيستمر حاملو SEP الذين يشاركون في تطوير المواصفات القياسية في الالتزام بترخيص هذه البراءات بشروط "عادلة ومعقولة وغير تمييزية، أم أننا أمام مشهد ما قبل الحرب التجارية العظمى؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي