استهداف التضخم في الظروف العصيبة «2 من 3»
وبشأن تحديات ما بعد كوفيد فإن اقتصادات الأسواق الصاعدة التي تطبق نظام استهداف التضخم تواجه تحديات بالغة الصعوبة في الظروف الراهنة، بعد جائحة كوفيد - 19. فنظام استهداف التضخم يعتمد بشدة على مصداقية السلطات عندما يتعلق الأمر بالمحافظة على التضخم في حدود قريبة من الهدف المحدد، وهو ما لم يحدث منذ 2021.
ومرة أخرى، تقدم كولومبيا مثالا جيدا على ذلك. فقد ارتفع التضخم من أقل من 2 في المائة في 2020 إلى 13,1 في المائة في 2022، مسجلا أعلى مستوياته منذ اعتمادنا استهداف التضخم. وجاءت هذه الزيادة مدفوعة إلى حد كبير بأسعار الغذاء، التي ارتفعت بمعدل سنوي يكاد يصل إلى 28 في المائة في عام 2022 استجابة لصدمات العرض على المستويين المحلي والدولي.
كذلك أدى التعافي القوي في الطلب الكلي إلى دفع التضخم إلى مستويات مرتفعة. فقد زاد معدل نمو إجمالي الناتج المحلي في كولومبيا بأكثر من 10 في المائة في 2021 و8 في المانة في 2022، ويكاد الاتساع المستمر في عجز الحساب الجاري أن يسجل رقما قياسيا تاريخيا، رغم معدلات التبادل التجاري المواتية في 2022. وأدى الطلب المفرط كذلك إلى اتجاه صعودي في التضخم الأساسي، مسجلا ارتفاعا، باستثناء أسعار الغذاء والأسعار الخاضعة للتنظيم الحكومي، من 2,5 في المائة في 2021 إلى 9,5 في المائة في 2022.
وكان للهبوط الحاد في قيمة العملة المحلية دور أيضا في الاتجاهات العامة للتضخم. فمع نهاية عام 2022، كان سعر البيزو الكولومبي قد انخفض بنسبة قدرها 38 في المائة مقارنة بأوائل 2021، متجاوزا الانخفاض المسجل في معظم البلدان الأخرى في أمريكا اللاتينية ومقترنا بتدهور تصورات المستثمرين للمخاطر القطرية على مدار العامين الماضيين، في الوقت الذي كانت فيه مستويات عجز المالية العامة أكبر بكثير مقارنة بالبلدان النظيرة في المنطقة، وبتأثر التضخم أيضا بمختلف آليات الربط بالمؤشرات، ومن أهم محركاتها الزيادة السنوية في الحد الأدنى للأجور التي تتم في بداية كل عام على أساس التضخم السابق المشاهد. وفي هذا السياق، يتسم عاما 2022 و2023 بطابع مميز، حيث شهدا رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة قدرها 10 في المائة و16 في المائة، على التوالي، وهي أعلى بكثير من معدل التضخم الكلي. وأسهمت طفرات الحد الأدنى للأجور في الإبقاء على ارتفاع معدل التضخم من خلال تأثيرها في تكلفة الإنتاج والدخول في دوامة الأجور والأسعار، حيث تزداد الأسعار نتيجة ارتفاع الأجور التي ترتفع بدورها للتعويض عن زيادة الأسعار.