رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مشكلات متنوعة لاقتصاد متقدم

"اقتصاد بريطانيا في المسار الصحيح، وأنا متفائل بشأن المستقبل"
جيرمي هانت، وزير الخزانة البريطانية

سواء كان جيرمي هانت وزير الخزانة البريطانية مبالغا في تفاؤله بشأن اقتصاد بلاده للعامين الحالي والمقبل، أم لا. فوصول الرجل إلى منصبه هذا الصيف الماضي، وفر قارب إنقاذ كانت البلاد تحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى. فالحكومة التي حكمت المملكة المتحدة برئاسة ليز تراس لمدة 44 يوما فقط، لتكون الأقصر عمرا بين كل الحكومات في تاريخ البلاد، هذه الحكومة أوقعت الاقتصاد في أزمة خطيرة لا تزال آثارها باقية، وستبقى حتى منتصف العقد الحالي على الأقل. قدمت موازنة عامة لا تلائم الوضع العام، وأصرت عليها، ما دفع مجلس العموم "البرلمان" إلى التحرك لإزاحتها وقد نجح. كان الوضع خطيرا، إلى درجة أن تدخل صندوق النقد الدولي محذرا من مغبة التبعات الاقتصادية لسياسة حكومة تراس. فمن النادر أن تتحدث مؤسسة مثل صندوق النقد بهذه الصيغة عن اقتصاد متقدم كالاقتصاد البريطاني.
الأمور لم تعد على طبيعتها، حتى بعد أن ألغى هانت كل بنود موازنة ليز تراس، التي وصفتها المعارضة آنذاك بـ"الموازنة الانتحارية". لماذا؟ لأن الأوضاع الاقتصادية الصعبة تجعل من التحولات الإيجابية بعيدة، أو لنقل أكثر صعوبة. وهذه الأوضاع ليست حكرا على بلد متقدم كبريطانيا، لكنها الأكثر عمقا، إلى درجة أن احتل اقتصاد بريطانيا المركز الـ19 في قائمة أسوأ اقتصادات مجموعة العشرين أداء، بعد الاقتصاد الروسي، الذي يرزح كما هو معروف تحت وطأة الحرب في أوكرانيا، والعقوبات الغربية الشاملة التي تعد الأقوى في التاريخ على موسكو. لا أحد كان يتوقع أن تصل وضعية اقتصاد المملكة المتحدة إلى هذا المستوى، بصرف النظر عن طبيعة الصعوبات التي يمر بها، غير أن التبدلات السياسية المحلية المتسارعة التي حدثت في غضون أشهر، أربكت المشهد العام بلا شك، وتصادمت الرؤى الاقتصادية في مدة زمنية قصيرة للغاية.
صندوق النقد الدولي، أكد في غير مناسبة، أن الاقتصاد البريطاني سيكون الاقتصاد المتقدم الوحيد الذي سينكمش هذا العام. ويؤكد بنك إنجلترا المركزي هذه الحقيقة، التي تسعى حكومة ريشي سوناك إلى تغييرها بأي ثمن، خصوصا في ظل تصاعد لافت جدا لشعبية حزب العمال المعارض، الذي بدأ يأخذ مساحات إثر أخرى من الميدان الانتخابي. فالانتخابات العامة ستحدث في أقل من عامين، وعلى المحافظين الذي يسيطرون على الحكم منذ 2010، "بينها فترة خمسة أعوام حكومة ائتلافية مع حزب الديمقراطيين الأحرار"، أن يغيروا المشهد العام حتى إن كان التغيير متواضعا. غير أن المعطيات على الأقل تزيد من مهام الحكومة صعوبة. ففي شباط (فبراير) الماضي لم يظهر اقتصاد البلاد أي نمو، مع تراجع قطاع الخدمات وهو من القطاعات الأهم ضمن المنظومة الاقتصادية للمملكة المتحدة.
والمشهد العام يصبح أكثر قتامة، مع الآثار السلبية الخطيرة التي تركتها سلسلة لا تنتهي من الإضرابات التي شملت كل القطاعات تقريبا، من الأطباء إلى الممرضين والمعلمين ورجال الإطفاء والشرطة، إلى عمال القطارات والنقل وحتى موظفي الجوازات وشرطة الحدود ... وغيرهم. ولا تزال هذه الإضرابات الخبر الأساس في الحراك المحلي اليومي. وتعتقد الحكومة، أنه يمكنها من خلال مواقفها المتشددة حيال المطالب برفع الرواتب والأجور، أن تخفف من قوة المؤسسات العمالية المختلفة على الساحة، في إعادة تشكل آخر للمشهد العمالي. لكن الأمر ليس بهذه السهولة. فإذا كانت حكومة مارجريت ثاتشر الراحلة قد انتصرت حقا ضد نقابات العمال، فلأنها كانت تقود حكومة متماسكة، ليست موجودة بالمعنى الحرفي حاليا. يبدو واضحا أن مهمة وزير الخزانة هانت ليست سهلة، وستكون أكثر تعقيدا إذا لم يستطع احتواء التضخم الذي فاق 10 في المائة، وإعادة عجلة الإنتاج إلى ما كانت عليه قبل جائحة كورونا على الأقل. ورغم أن اقتصاد المملكة المتحدة لا يزال خارج دائرة الانكماش حتى الآن على الأقل، إلا أن النمو في الدخل والإنتاجية يبقى منخفضا بصورة لافتة. في حين يتوقع خبراء أكاديميون في لندن، أن يزداد تقلص الدخل الحقيقي. وهذا لا يترك مجالا للحديث عن نمو ما بصرف النظر عن مستوياته في المرحلة المقبلة. فالفائدة التي باتت ترتفع بصورة دورية، لم تترك مجالا للنمو، الذي تدعمه عادة سياسات التيسير النقدي. وهذه الأخيرة صارت بالفعل من الماضي.
المصاعب كثيرة هي تلك التي يمر بها الاقتصاد البريطاني. فحتى الجانب المتعلق بمسألة خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي "بريكست" لا تزال تسهم في زيادة الضغوط عموما، بما في ذلك تعطل اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة بسبب أزمة أيرلندا الشمالية التي جلبها "بريكست" إلى الساحة بعد أن صارت من التاريخ. وإذا استطاعت الحكومة حقا، أن تبعد الاقتصاد عن الانكماش قبل نهاية العام الحالي، فإنها يمكن أن تعمق تفاؤلها الهش الراهن، لكن في الوقت نفسه، لن تستطيع أن تمضي قدما نحو النمو المأمول قبل أقل من عامين على الأقل، وقبل أن تتضح الصورة النهائية للتضخم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي