التعافي الاقتصادي مستمر لكن طريقه أصبح وعرا «2 من 3»

هل ينبغي لنا أن نقلق من مخاطر حدوث دوامة من الارتفاعات المتعاقبة في الأجور والأسعار وخروجها عن نطاق السيطرة؟ لم تتكون لدي هذه القناعة بعد حتى هذه اللحظة. فلا تزال المكاسب على جانب الأجور الاسمية متأخرة كثيرا عن ارتفاع الأسعار، وهو ما ينطوي على تراجع الأجور الحقيقية. ومن المفارقات نوعا ما في هذا الصدد حدوث ذلك بينما الطلب على العمالة قوي للغاية، حيث تعلن الشركات كثيرا من الوظائف الشاغرة، وفي حين أن عرض العمالة لا يزال ضعيفا، هناك كثيرون من العاملين الذين لم يعاودوا الانضمام إلى القوى العاملة بشكل كامل بعد الجائحة. وهو ما يشير إلى ضرورة رفع الأجور الحقيقية، وأتوقع ذلك. لكن هوامش أرباح الشركات قد ارتفعت في الأعوام الأخيرة، وهذا هو الوجه الآخر للارتفاع الحاد في الأسعار مع ارتفاع محدود فحسب في الأجور، وينبغي لها أن تكون قادرة على استيعاب جزء كبير من ارتفاع تكاليف العمالة في المتوسط. وطالما أن التوقعات التضخمية لا تزال ثابتة، لا يتوقع خروج تلك العملية عن نطاق السيطرة. غير أنها قد تستغرق وقتا أطول من المتوقع.
وبشأن مرحلة لم يكن لها أن تمر بسهولة فإن الأمر الأكثر مدعاة إلى القلق هو أن التشديد الحاد للسياسة النقدية على مدار الـ12 شهرا الماضية، بدأ يؤدي إلى ظهور آثار جانبية خطيرة في القطاع المالي، وهذا ما حذرنا مرارا من احتمال حدوثه. وربما كانت المفاجأة هي أنه استغرق هذا الوقت الطويل.
فبعد فترة مطولة من انخفاض التضخم والتدني الشديد في أسعار الفائدة، أصبح القطاع المالي شديد التراخي حيال آجال الاستحقاق وعدم اتساق تدفقات السيولة. وأفضت السرعة في تشديد السياسة النقدية العام الماضي إلى تكبد خسائر فادحة في الأصول طويلة الأجل ذات الدخل الثابت، وأدت إلى رفع تكاليف التمويل.
ويعتمد استقرار أي نظام مالي على قدرته على استيعاب الخسائر دون اللجوء إلى أموال دافعي الضرائب. ومن خلال الفترة الوجيزة من عدم الاستقرار التي شهدتها سوق سندات الخزانة البريطانية في المملكة المتحدة في فصل الخريف الماضي، واضطراب الجهاز المصرفي في الولايات المتحدة أخيرا، يتضح أن هناك مواطن ضعف جسيمة على مستوى البنوك ومؤسسات الوساطة المالية غير المصرفية على حد سواء. وفي كلتا الحالتين، اتخذت السلطات المالية والنقدية إجراء سريعا وقويا وتمكنت من منع حدوث مزيد من عدم الاستقرار.
ويبحث تقريرنا عن آفاق الاقتصاد العالمي سيناريو تواجه البنوك فيه ارتفاعا في تكاليف التمويل والحاجة إلى التحلي بمزيد من الحكمة، واتخاذ مزيد من الخطوات نحو تخفيض الإقراض. ويؤدي ذلك إلى انخفاض إضافي في الناتج قدره 0،3 في المائة هذا العام.
غير أن النظام المالي قد يوضع على المحك من جديد. وفي الأغلب ما يبحث المستثمرون الذين يساورهم القلق عن الحلقة الأضعف التالية، كما فعلوا مع بنك كريدي سويس، وهو بنك أوروبي مؤثر في النظام العالمي لكنه متعثر. وقد يكون الهدف التالي هو المؤسسات المالية ذات المستويات المفرطة من الرفع المالي أو مخاطر الائتمان أو التعرض لمخاطر أسعار الفائدة، أو شديدة الاعتماد على التمويل قصير الأجل، أو الكائنة في مناطق اختصاص ذات حيز مالي محدود. وكذلك حال الدول التي يتصور أن أساسياتها الاقتصادية أضعف.
ويمكن أن يترتب على التشديد الحاد للأوضاع المالية العالمية، أي: ما يطلق عليه "تجنب المخاطر"، تأثير كبير للغاية في أوضاع الائتمان والموارد العامة، ولا سيما في اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية، وسيعجل ذلك بخروج تدفقات رأسمالية كبيرة، وحدوث ارتفاع مفاجئ في علاوات المخاطر، وارتفاع سعر الدولار في ظل الاندفاع نحو الأمان، وهبوط النشاط الاقتصادي العالمي بشكل كبير وسط أجواء تراجع الثقة وانخفاض إنفاق الأسر واستثماراتها ... يتبع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي