الذهب والفضة والاستقرار النقدي «4 من 4»
طرحت دراسة Velde 2002 تفسيرا مثيرا للاهتمام. ففرنسا كان بمقدورها مواصلة العمل بنظام المعدنين في مطلع سبعينيات القرن الـ19 ـ لكن طاقتها الاستيعابية لم تكن غير محدودة. فبدءا من مطلع سبعينيات القرن، أسهمت اكتشافات الغرب الأمريكي في زيادة الإنتاج العالمي من الفضة ـ وحسب قانون غريشام، ستجد هذه الفضة طريقها إلى العملات المعدنية الفرنسية في نهاية المطاف لتحل محل الذهب. وماذا لو أن مزيدا من الدول استغنت عن العملات الفضية وسعت إلى تفريغ هذا المخزون القديم من الفضة في فرنسا؟
تبدل الحال وبات على فرنسا الآن أن تخاف العزلة النقدية حال انتهاء العمل بنظام المعدنين والتحول إلى الفضة. وأمام هذه الاحتمالات، بدا الانسحاب المبكر بينما كانت حيازات الفضة لا تزال محدودة في فرنسا -وضخمة في ألمانيا- خيارا أفضل من الانتظار لحين انتهاء الحال بفرنسا مع مخزون ضخم من الفضة لا حاجة لباقي العالم المتقدم به.
واتساقا مع التفسير الوارد في دراسة Velde، لم تنه فرنسا نظام المعدنين على نحو مفاجئ. فقد أكدت الخزانة أن القيود المفروضة على سك العملات الفضية مؤقتة ويمكن إلغاؤها بمجرد توقف فائض تدفقات الفضة الوافدة، في دعوة شبه مباشرة لألمانيا إلى إعادة النظر في إصلاحاتها. وبمجرد فشل هذه المساعي، أصبح سقوط نظام المعدنين لا رجعة فيه. وفي أوائل 1875، قررت الأسواق زوال الرابط بين المعدنين، وفي 1876، علقت فرنسا سك العملات الفضية تماما. وهكذا نشأت قاعدة الذهب الكلاسيكية.
كادت صعوبة الأعوام الأولى لتطبيق قاعدة الذهب أن تنسى. فقد شهد تكتل الذهب الجديد موجة انكماشية مزمنة أدت إلى ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، ما أثر سلبا في الأرباح والاستثمار. ونشبت صراعات توزيعية بين المدينين والدائنين عكرت صفو الأجواء السياسية. وسرعان ما استقر في الوعي العام أن القرارات النقدية المتخذة مطلع سبعينيات القرن الـ19 كانت أحد الأسباب وراء ذلك. وتشكل عدد من مجموعات الضغط المناصرة لنظام المعدنين طالبت بإحياء النظام النقدي القديم. ونوقشت القضية في مؤتمرات دولية عقدت في الأعوام 1878 و1881 و1892، لكنها، على غرار ما حدث في ستينيات القرن، أخفقت في التوصل إلى أي نتائج.
وشهد تموز (يوليو) 1886 نقطة تحول أخرى عندما عثر أحد المنقبين في منطقة ويتواترسراند في جنوب إفريقيا على صخرة تحوي آثار ذهب ثبت أنها جزء من رواسب ضخمة. وأفضى ذلك إلى طفرة في إنتاج الذهب فاقت أهميتها اكتشافات الذهب السابقة في أستراليا وكاليفورنيا. وكان لذلك تأثير كبير في عرض النقود، حيث أتاح الفرصة لإنعاش الاقتصادات التي كانت تعاني نقص السيولة. ومع نهاية الانكماش، تراجعت حدة المخاوف بشأن الديون.
وبدأ ما يعرف باسم العصر الجميل، وهي الفترة التي شهدت تطورا سريعا في شتى مناحي الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة واستمرت حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. وازدادت شهرة قاعدة الذهب بفضل حالة الرخاء السائدة، وأصبح ربط العملة بالذهب دليلا على سلامة الإدارة النقدية. لذلك سعى صناع السياسات في أعقاب الحرب العالمية الأولى إلى معاودة تنفيذ قاعدة الذهب، لإحكام "الأغلال الذهبية" التي أدت لاحقا إلى تفاقم الكساد الكبير.
أدير نظام المعدنين بسلاسة عندما اقتصر تطبيقه على بلد واحد -فرنسا- في ظل بيئة مالية مستقرة. وعندما ازداد الوضع صعوبة، كان من المفيد الاستمرار في تطبيق النظام. لكن الأمر تطلب تعاونا دوليا انتهى بالفشل الذريع.
ورغم أن النظام النقدي يختلف تماما في الوقت الحالي عنه في القرن الـ19، يظل الاستقرار النقدي سلعة عامة عالمية مرهونة بالتعاون الدولي، وهي سمة أساسية مشتركة بين الاستقرار النقدي وجميع السلع العامة العالمية، بداية من تحقيق السلام والاستقرار وانتهاء بحماية المناخ العالمي.