الصحراء تفشي أسرارها
كما للبحر أسرار وفي أعماقه مدن وكنوز مدفونة، كذلك للصحراء خبايا عكس مظهرها، حيث تبدو واضحة وجلية على مد النظر لا يغطيها سوى السماء، فقد ابتلعت الصحراء عبر الزمن بشرا ومدنا، وتاريخ أمم اندثر تحت رمالها، بل جيوش بأكملها عبرت من خلالها واختفت للأبد بلا أثر؟!
وبعد نسيانها لأعوام إلا من بعض علماء الآثار والباحثين الذين ينقبون رمالها على استحياء لخطورة الصحراء وعدم التكهن بما تخفيه للعابرين خلالها، استطاعت التكنولوجيا الحديثة كشف الستار عن أسرارها رغم بقاء عدد غير قليل منها لم يكتشف بعد، فقد مكنت الأقمار الاصطناعية المكتشفين من سبر أغوار الصحاري وهم يجلسون في مكاتبهم الوثيرة دون عناء مواجهة وحش الصحراء.
ومن أعظم الصحاري التي ألقت بأسرارها بعيدا عن رمالها الصحراء الكبرى، ففي 2010 كشفت الأقمار الاصطناعية عن بقايا أكثر من 100 قلعة غطتها الرمال تابعة لشعب جارامانتيس في ليبيا الذي امتدت حضارته من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن السابع الميلادي، وذلك بفضل شركات البترول التي غطت المنطقة بالأقمار الاصطناعية بحثا عن مواقع لحفرها، ما منح العلماء فرصة مسح الصور للبحث عن أي علامات لبقايا آثار مدفونة تحت رمال الصحراء.
ولم تقتصر الاكتشافات على آثار الشعوب بل شملت حتى الندوب التي خلفتها النيازك المقبلة من الفضاء الخارجي وحجبتها الرمال، فقد استطاعت الأقمار الاصطناعية اكتشافها ومنها حفرة في جنوب غرب مصر يبلغ عرضها 45 مترا خلفها النيزك الحديدي الذي ضرب الأرض قبل خمسة آلاف عام. كما تم العثور على زجاج أخضر مميز تكون نتيجة ضرب نيزك للأرض مولدا طاقة حرارية هائلة أذابت منطقة شاسعة من الصحراء الليبية وحولت رمالها إلى صفائح من الزجاج الأخضر الرقيق، الذي استخدمه الفراعنة في نحت الجعران المقدس وتثبيته على صدرية ووجدت في قبر توت عنخ آمون.
وفي 2012 كشفت الصحراء عن سر آخر حيث عثر عامل نفط في المنطقة على هيكل طائرة شبه سليم عرف فيما بعد أنه لطائرة الرقيب دنيس كوبينج التي اختفى معها في 1942 بعد أن حلق بها فوق الصحراء الكبرى ولم يعثر له على أثر حتى الآن!
وفي صحراء النيجر عثر على نحو 200 مدفن بشري تعود إلى فترتين منفصلتين بينهما ما يزيد على ألف عام، تعود تلك المقابر البشرية إلى شعبي الكيفيان والتينيريون!
كما عثر على هياكل عظمية لحيتان ضخمة وديناصور برمائي وتماسيح عملاقة دلالة على أن أكثر الأماكن جفافا اليوم كانت بحارا قبل آلاف الأعوام!