بنية الجودة .. ومسألة التنمية
ماذا نقصد عندما نقول إن منتجا يتمتع بالجودة؟ يمكن القول، إجابة عن هذا التساؤل، إن لجودة المنتج جانبين رئيسين متكاملين، جانب الجودة في مواصفات المنتج، وجانب الجودة في العمليات المطلوبة لإنتاجه. وهناك لكل من جانبي الجودة، أي المواصفات وعمليات الإنتاج، متطلبات أساسية ينبغي أخذها في الحسبان.
ترتبط الجودة في مواصفات المنتج بتحقيق متطلبات المستخدم المستهدف للمنتج. وهناك في هذا المجال نوعان من المتطلبات: متطلبات يتطلع إليها المستخدم، أو هي متوقعة استنادا إلى خبرات سابقة، ومتطلبات تتميز بالجدة يجري تقديرها استباقيا على أساس توقعات مستقبلية، يرحب بها المستخدم، بعد ذلك، وتفيد صاحب المنتج في تميز منتجه. أما جودة عمليات الإنتاج، فتتعلق بمعيارين أساسيين من معايير الأداء. أولهما معيار فاعلية عمليات الإنتاج، بمعنى الالتزام بتحقيق المتطلبات المحددة للمنتج، وثانيهما معيار كفاءة هذه العمليات، الذي يحرص على تحقيق الفاعلية المطلوبة، بحد أدنى من التكاليف، ما يعزز الوضع التنافسي للمنتج في السوق.
وإذا أردنا، على أساس ما سبق، تحديد مواصفات عامة يجب على أي منتج أن يتمتع بها، فإن علينا الانطلاق من مبدأ ملاءمة هذه المواصفات متطلبات المستخدم. في هذا المجال تبرز أنوع ثلاثة من المواصفات. يرتبط النوع الأول بالمواصفات الخاصة بمظهر المنتج وفوائده وقابليته للحياة، مثل شكله المناسب، وموثوقية أدائه، والدقة المطلوبة لهذا الأداء، فضلا أيضا عن متانته وحياته الافتراضية، وغير ذلك. أما النوع الثاني، فيختص بمواصفات رشاقة المنتج، بمعنى سهولة استخدامه، مثل وضوح أسلوب الاستخدام، وترابط عناصره. ونصل إلى النوع الثالث، الذي يتعلق بالمواصفات الاستباقية المبتكرة التي تعطي للمنتج تميزا خاصا في السوق. وتبرز أهمية مواصفات هذا النوع في أنها تتوافق مع ثقافة التطور المستمر التي تعرف في عالم الجودة بثقافة كايزن Kaizen.
وإذا شئنا تحديد متطلبات عمليات الإنتاج، فلعلنا نبدأ بمعيار فاعلية أداء هذه العمليات التي تتمثل في التأكيد على تقديم منتج يتمتع بجميع المواصفات المطلوبة، بأنواعها الثلاثة سابقة الذكر. أما معيار الكفاءة، فيتمثل في الحد من الأخطاء، والتخلص من الهدر، وضبط مواصفات المنتجات بأساليب إحصائية مناسبة، وغير ذلك. ولا شك أن للحد من تكاليف الإنتاج دورا عاما في الوضع التنافسي للمنتج في السوق. وتجدر الإشارة هنا إلى الحاجة إلى قيادة عملية الإنتاج، وإلى فريق عمل مؤهل، يلتزم كل عضو من أعضائه بأداء واجباته في هذه العملية على أفضل وجه ممكن.
يتسم ما سبق من حديث حول الجودة بالعمومية، وتفيد هذه العمومية في رسم صورة أولية تعطي ملامح عامة، تنطبق على مدى واسع من حالات الإنتاج والمنتجات. لكن، لا بد أيضا في التعامل مع المنتجات على أرض الواقع من الاهتمام بالخصوصية، أو بالأحرى العمل على تحديد تفاصيل كل من مواصفات المنتجات المستهدفة، وعمليات إنتاجها. بذلك تتحول الملامح العمومية، من أجل كل منتج، إلى خصائص محددة قابلة للاختبار، وبالتالي الاعتماد، تمهيدا لتقديمه عبر السوق إلى المستخدم المستهدف. وتحرص الدول، في هذا المجال، على ضبط جودة مواصفات المنتجات التي تجيز إنتاجها محليا أو تسمح باستيرادها من الخارج. والغاية من ذلك هي حماية المستهلك، والتأكيد على موثوقية ما يتم عرضه من منتجات في السوق المحلية، وما يتم عرضه من منتجات محلية في السوق الدولية. ويفيد ذلك في بناء أسس سليمة للتنمية، تعزز الثقة وتفعل الاستدامة.
تسعى الدول إلى تحقيق غاياتها في تفعيل الجودة، وتحقيق موثوقية المنتجات في السوق، وحماية المستهلك، عبر بناء ما يعرف "ببنية الجودة Quality Infrastructure". وتشمل هذه البنية خمسة مستويات متكاملة، وذلك طبقا لتقرير منظمة التنمية الصناعية التابعة للأمم المتحدة UNIDO حول هذا الموضوع.
إذا بدأنا بالتعريف بمستويات بنية الجودة الخمسة هذه، من المستوى الأعلى، وعددناه المستوى الخامس، نجد أن هذا المستوى يتضمن الأنظمة والسياسات التي تعطي متطلبات حوكمة الجودة المنشودة. وهناك بعد ذلك، في المستوى الرابع الهيئة أو الهيئات المسؤولة عن إدارة شؤون تقييم مستوى جودة مواصفات المنتجات المختلفة، على أساس أنظمة الحوكمة وسياساتها ومتطلباتها المطروحة في المستوى الخامس، من أجل اعتماد الصالح منها. ويدعم المستوى الثالث ذلك عبر مؤسسات متخصصة تقدم الخدمات المطلوبة لاعتماد المنتجات، من خلال قيامها بالاختبارات اللازمة للتقييم والاعتماد، ثم الحكم بهذا الشأن على أساس النتائج المستخلصة.
ونأتي إلى المستوى الثاني الذي يتضمن المؤسسات الإنتاجية، وتحتاج هذه المؤسسات إلى ضبط متطلبات الجودة في عملها وفي منتجاتها من أجل تحقيق الاعتماد المطلوب، والوصول إلى السوق المنشودة، وتحقيق الأرباح، والإسهام في التنمية الوطنية. ونصل أخيرا إلى المستوى الأول، وهو مستوى مستخدم المنتج، الذي غالبا ما يوصف بالمستهلك. وليست مستويات المستهلكين متساوية في نظرتهم إلى المنتجات المطروحة في السوق، واستيعابهم شؤون جودتها، خصوصا عندما تكون هذه المنتجات حديثة، أو تحمل مواصفات جديدة. وعلى ذلك، تبرز في هذا المجال مسألة التوعية العامة بشأن الجودة والاعتماد من ناحية، والتوعية الخاصة بشأن متطلبات جودة كل منتج من ناحية ثانية. وهكذا تتكامل بنية الجودة عبر مستوياتها الخمسة، الحوكمة، المسؤولية، الخدمة، المؤسسة الإنتاجية، والمستهلك. وهناك منظمات محلية ودولية تسعى إلى تفعيل هذه البنية. فعلى مستوى المملكة، هناك "المركز السعودي للاعتماد SAC". وعلى المستوى العربي، هناك "الجهاز العربي للاعتماد ARAC". وعلى المستوى العالمي، هناك "منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية UNIDO"، إضافة إلى كل من "المنتدى الدولي للاعتماد IAF"، و"الاتحاد الدولي لاعتماد المختبرات ILAC". لا شك أن مسألة الجودة قضية مهمة تفيد الجميع أفرادا ومؤسسات، منتجين ومستهلكين، وذلك فيما يتضمن شتى المنتجات المتاحة في الأسواق. وتحتاج بنية الجودة بمستوياتها الخمسة، إلى بيئة محيطة تتمتع بالوعي بأهميتها، والحاجة إلى تفعيلها، والالتزام بها، من أجل جني ثمراتها. فهي وسيلة تسهم في بناء تنمية سليمة تتمتع بالأمان والقدرة على الاستمرار. ومن حسن الطالع أن هذه المسألة تلقى الاهتمام على مختلف المستويات، والأمل أن يتوسع هذا الاهتمام ليشمل الجميع.