التغلب على أزمة الطاقة الأوروبية «2»
من الممكن أن يؤدي الدعم الحكومي الكبير إلى تأخر عملية التكيف مع توازن الأسعار الجديد ما سيتطلب مزيدا من الدعم. وقد يصبح تأثير الأزمة في الاقتصاد الكلي والاستقرار المالي مدمرا في ظل تسارع التضخم، ومن الممكن أن يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى تشديد السياسة النقدية بشكل أكبر. إضافة إلى ذلك، فقد يواجه قطاع الطاقة نقصا في السيولة وحالات من الإعسار.
ولا بد من اتخاذ إجراء لمعالجة المشكلة من جذورها، من خلال خفض مستوى أسعار الطاقة وتقلباتها في أسواق الجملة الأوروبية. ولكن ما هذا الإجراء تحديدا؟
تدور المقترحات الخاصة بالحدود القصوى للأسعار في فلكين، هما تحديد أسعار الواردات من الغاز، وكبح أسعار الجملة داخل الاتحاد الأوروبي.
وقد يأتي إخضاع جميع أسعار واردات الغاز للتنظيم بنتائج عكسية، الأمر الذي يتعذر معه جذب ما يكفي من الغاز إلى الاتحاد الأوروبي ويسفر عن ارتفاع الأسعار.
وربما يكون وضع حد أقصى لسعر الغاز الروسي فقط، بهدف تخفيض الأرباح التي يدرها الغاز على روسيا وخفض التكاليف التي تتحملها أوروبا أمرا مفهوما، غير أن هذا المنهج لا يخلو من مخاطر، فروسيا لا يمكنها أن تعيد توجيه إمداداتها من الغاز بسهولة إلى أماكن أخرى، ولذلك قد يكون من مصلحتها التجارية أن تستمر في إمداد أوروبا بالغاز ولو بأسعار منخفضة. غير أن روسيا قد عملت بالفعل ضد مصلحتها التجارية بخفض الإمدادات إلى أوروبا بنسبة 80 في المائة. وإذا أرادت أن تثأر من خلال التوقف عن إمداد النسبة المتبقية التي تبلغ 20 في المائة، فقد يصبح الأمر أسوأ من ذي قبل. وفي حزيران (يونيو) من 2022، تبنت إسبانيا والبرتغال ما أصبح يعرف باسم "الاستثناء الأيبيري"، الذي جرى في إطاره وضع حد أقصى لسعر الغاز المستخدم في توليد الكهرباء، ويحد هذا الأمر بفاعلية من تكلفة الكهرباء، نظرا لأن المحطات التي تعمل بالغاز عادة ما تحدد السعر الهامشي. وأثبتت هذه السياسة فاعليتها في احتواء تكاليف الجملة للكهرباء في إسبانيا والبرتغال، وشجعت أيضا الشركات الأيبيرية المولدة للكهرباء على استخدام مزيد من الغاز لإنتاج الكهرباء. ومن الممكن أن يؤدي تطبيق المنهج الأيبيري على نطاق واسع في الاتحاد الأوروبي إلى زيادة أسعار الغاز على نحو يضر بالمستهلكين، الذين يستخدمون الغاز استخداما مباشرا. وفي ظل التوزيع غير المتوازن للصناعات كثيفة الاستهلاك للكهرباء والغاز عبر الكتلة الأوروبية، فقد تترتب على هذه الآلية أيضا عواقب تتعلق بالتوزيع بين الدول الأعضاء.
وهناك خيار ثالث يتمثل في وضع حد أقصى لجميع المعاملات التي يتم إجراؤها في مراكز الغاز الأوروبية ولعمليات التداول والمبادلة التي تتم خارج السوق الرسمية. وقد تسري هذه الحدود على كثير من العقود طويلة الأجل، بما في ذلك العقود المبرمة مع شركة الغاز الروسية العملاقة المملوكة للدولة "غازبروم" والمرتبطة بمؤشرات أسعار مراكز الغاز، ولضمان أن هذا الحد الأقصى لن يقوض قدرة أوروبا على جذب الغاز الطبيعي المسال، فمن الممكن أن تسهم آلية للعقود مقابل الفروق في تعويض المستوردين عن الفرق بين السعرين الدولي والأوروبي. ويمكن أن يتم توفير الأموال من ميزانية الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي سيثمر عن انخفاض أسعار الجملة للغاز والكهرباء. وسيضطر دافعو الضرائب إلى تحمل التكاليف، غير أنه يمكن تعويضهم بأكثر مما دفعوه في صورة أسعار مخفضة ودعم.
وتكمن المشكلة في أنه سيكون من الصعب فرض حد أقصى على جميع المعاملات، فقد تتوقف عمليات التداول في المراكز الخاضعة لحدود قصوى مع توجه البائعين إلى عرض الغاز خارج السوق الرسمية بأسعار أعلى. والأهم من ذلك هو أن الطلب على الغاز والكهرباء سيزداد إذا فرضت حدود كبيرة على الأسعار. وقد يقاوم البائعون الأجانب خاصة روسيا الحد الأقصى وذلك من خلال خفض الإمدادات أو وقفها. وقد يدعم المشترون الأجانب أيضا واردات الغاز الطبيعي المسال من أجل حماية مستهلكيهم، وهو ما سيؤدي إلى زيادة المنافسة من خارج الاتحاد الأوروبي. وسيتجاوز الطلب حينئذ العرض، ما سيتطلب ترشيدا لإعادة التوازن إلى السوق ... يتبع.