سوق الكربون .. 5 أسئلة
مع إعلان الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة ورئيس مجلس أمناء "كابسارك" خطة المملكة إصدار شهادات الكربون خلال العام المقبل لتحفيز الاستثمارات في مشاريع تخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بجميع القطاعات، في منتدى مبادرة السعودية الخضراء الذي انعقد على هامش فعاليات قمة المناخ في شرم الشيخ. بات ضروريا النظر في جميع الخيارات والسياسات التي قد تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في خفض الانبعاثات الكربونية والحد من آثارها السلبية على البيئة.
في الآونة الأخيرة أعلنت عدة دول في المنطقة، من ضمنها السعودية والبحرين والإمارات وعمان أهدافها للوصول إلى الحياد الصفري للكربون خلال الثلاثة أو الأربعة عقود المقبلة، أي: يجب أن يكون صافي الانبعاثات صفرا من خلال الخفض بشكل مباشر أو من خلال امتصاص الانبعاثات من الغلاف الجوي وإزالتها. وتدرس عدة دول عربية أخرى أيضا خياراتها للحد من الانبعثات في ظل الضغوط الدولية المتزايدة لرفع أهدافها ضمن اتفاقية باريس.
إن التصدي لتغير المناخ، على عكس عديد من القضايا الأخرى، يتطلب تحولا شاملا لاقتصاداتنا ومجتمعاتنا، ما يوجد الحاجة إلى النظر في توظيف أدوات تسعير الكربون أو إيجاد أسواق محلية أو إقليمية للكربون بصفتها أحد الخيارات التي قد تسهم في الوصول إلى الأهداف المناخية.
يعد وضع قيمة سعرية للكربون أحد الحلول التي تعتمد على محاسبة المنشآت والشركات الباعثة للكربون من خلال الدفع مقابل نسبة الكربون التي تنبعث منها. وتكمن أهمية هذا الإجراء في قدرته على إيجاد محفز اقتصادي للممنشآت الباعثة للكربون لتغيير طرق عملها والاستثمار في تقنيات وبدائل أنظف وأقل إنتاجا للانبعاثات على المدى البعيد. وعادة ما تلجأ الدول إلى توظيف تسعير الكربون من خلال طريقتين: الأولى وضع ضريبة مباشرة على انبعاثات الكربون، والأخرى: إنشاء سوق إلزامية للكربون حيث تضع الدولة حدا على شكل رصيد للانبعاثات يخصص لكل شركة، وتسمح للشركات بشراء أو بيع الفائض من هذا الرصيد في سوق للكربون. السؤال المهم هو هل الدول العربية بوضعها الحالي جاهزة لتطبيق أي من هذه الخيارات؟ الجواب إما نعم أو لا.
من أهم الأسئلة التي يجب وضعها في الحسبان عند تقييم الخيارات المتاحة من قبل متخذي القرار في المنطقة، ما الوضع الحالي للاقتصاد وما نسبة كثافة الكربون في القطاعات الرئيسة والمهمة؟ وإذا ما كانت سوق الكربون ستحد من الوصول إلى النمو الاقتصادي المطلوب؟ وهل سوق الكربون الإلزامية ستؤثر في الأولويات الحالية، إضافة إلى هل القطاعات والشركات عالية الانبعاثات جاهزة من ناحية تقنية وإدارية للمشاركة بفعالية في سوق إلزامية للكربون؟
والسؤال الأهم من وجهة نظري هو: هل توجد خيارات أخرى أكثر فعالية من إنشاء أسواق إلزامية للكربون؟
في هذا الإطار يجب الانتباه إلى التداعيات الاقتصادية والعوامل التي قد تؤثر في فاعلية أسواق الكربون على عدة أصعدة، والتغيير إلى بدائل وتقنيات نظيفة مكلف ويتطلب وقتا كافيا للشركات والجهات الباعثة للكربون. إضافة إلى أن أسواق الكربون تتطلب سياسات وتشريعات واضحة فيما يخص أنظمة الرصد والتحقق من الانبعاثات، ووضع البنية التحتية لربط هذه البيانات بالسجلات الوطنية أو الدولية.
كما تتسبب نسبة الوعي البيئي المنخفضة لدى شركات القطاع الخاص في الدول العربية في تعطيل اكتشاف طرق جديدة صديقة للبيئة. فعلى مستوى الشركات في العالم العربي نجد أن شركات معدودة فقط في السعودية والإمارات وضعت لنفسها أهدافا للوصول إلى الحياد الصفري للكربون ومعظمها شركات لديها ارتباطات كبيرة بالأسواق العالمية، ما يجعلها تخضع لالتزامات خارجية لخفض انبعاثاتها.
بدائل أخرى:
توفر الأسواق الطوعية للكربون فرصة قد تكون فعالة وأقل حدة من الأسواق الإلزامية، بالأخص في هذه المرحلة المهمة إذ تشهد دول المنطقة اليوم نموا اقتصاديا متزايدا، ومتوقع نموها نموا أكبر في العقود المقبلة. يمكن للشركات المشاركة اختياريا في الأسواق الطوعية، تعويض انبعاثاتها من خلال شراء ما يسمى بوحدات الائتمان الكربونية التي تنتج عن مشاريع نجحت في تفادي أو إزالة الانبعاثات من الغلاف الجوي مثل زراعة الأشجار أو احتجاز الكربون أو مشاريع أخرى في كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة وغيرها.
وتستند هذه الوحدات إلى معايير معينة في الترخيص والإثبات معتمدة من قبل دول العالم أو جهات مستقلة. توفر الأسواق الطوعية أيضا فرصا استثمارية وتمويلية جديدة للمشاريع التي تهدف إلى خفض أو إزالة أو تفادي الانبعاثات، إذ توجد جدوى اقتصادية لمطوري المشاريع من الاستفادة من بيع وحدات الائتمان الكربونية.
تحديات أسواق الكربون الطوعية
التحدي في الأسواق الطوعية يكمن في أهمية معايير المصداقية وجودة المشاريع والبرهنة على أنها تفادت أو أزالت الكربون من الغلاف الجوي، مما لاشك فيه أن إنشاء أسواق طوعية يعد بداية جيدة لدول المنطقة، إذ تقدم رسالة واضحه للشركات الباعثة للكربون مغزاها أن عليهم الاستعداد للأسواق الإلزامية على المدى البعيد، وذلك يسمح لهم بالتخطيط المبكر للاستثمار في بدائل وطرق عمل أقل إنتاجا للانبعاثات، كما أنها لا تزيد من الأعباء المالية على الشركات.
التجربة الصينية
من الحلول البديلة أيضا إنشاء الأسواق الإلزامية "التجريبية" فهي توفر فرصة فعالة للتجربة تدريجيا على نطاق جغرافي صغير أو على قطاعات معينة مثلا. بإمكان متخذي القرار الاستفادة من الأسواق التجريبية للدراسة والتعديل المستمر على التشريعات والتأكد أن البيئة التنظيمية والتشريعية وأيضا الجهات الباعثة للكربون في وضع جيد وقابل للتوسع إلى سوق إلزامية على نطاق أكبر. وكان للصين تجربة فريدة ومليئة بالدروس المفيدة حيث أنشأت سبع أسواق تجريبية تغطي نطاقات جغرافية صغيرة، ما سمح لها بتجربة سياسات وأساليب مختلفة، وذلك وفر لها نتائج مهمة بناء عليها صممت سوق الكربون الإلزامية الصينية.
في الختام، لا يوجد حل مثالي ينطبق على دول المنطقة العربية جميعها، لكن لكل اقتصاد خصائص مختلفة قد تسمح أو لا تسمح بتطبيق أساليب تسعير الكربون. ومن المهم عدم النظر إلى أسواق الكربون بصفتها الحل الوحيد لأزمة المناخ، بل توجد خيارات وسياسات عديدة لخفض الانبعاثات من ضمنها زيادة نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة والاستثمار في تقنيات احتجاز الكربون ومبادرات تحسين كفاءة الطاقة وغيرها كثير من الخيارات التي تساعد دول العالم على الوصول لمستقبل مزدهر ومستدام.