شركات التكنولوجيا العملاقة تنحرف عن المسار «2»

بدا النظام النقدي والمالي مختلفا تمام الاختلاف أثناء حروب إيري عما هو عليه اليوم. كانت الولايات المتحدة تناضل من أجل العودة إلى معيار الذهب، ولم يكن لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وجود في ذلك الوقت. مع ذلك، خلال هذه الأعوام، ونظرا إلى مركزية أسواق رأس المال الأمريكية أخيرا في نيويورك أثناء الحرب الأهلية، كانت مؤسسات وول ستريت تفيض بالائتمان، الذي جعل التلاعب والمخططات الفاضحة من جانب جولد ودرو وأمثالهما في حكم الممكن.
إضافة إلى التلاعب المالي، أفضت قدرة الشركات على الوصول إلى الائتمان السهل إلى تغذية الاستثمار المزدهر في صناعة السكك الحديدية الوليدة في الولايات المتحدة. لكن أغلب هذا الاستثمار كان هـداما. استحوذ القائمون على الشركات من أمثال جولد على الأموال، واشتروا الأراضي، وبنوا خطوط السكك الحديدية عبر المناطق السيادية التي كانت ملكا للأمريكيين الأصليين قبل أن يتمكن المنافسون من الوصول. وعندما أضرب العمال مطالبين بأجور أعلى والعمل ثماني ساعات في اليوم، لم يتورعوا عن سحقهم.
كان شبح احتكار الشركات يلوح في الأفق. لكن لاح في الأفق أيضا خطر إفلاس الشركات إذا استـنـزفـت الثقة ـ وبالتالي المال ـ من النظام المالي. شهد عصر السكك الحديدية حالتين من الذعر المالي الحاد، خصوصا في 1873 ثم في 1893، وأعقبهما كساد اقتصادي طاحن.
تبدو أوجه الشبه مع الحال اليوم واضحة. فبانتهاز فرصة أسعار الفائدة المنخفضة في تسعينيات القرن الـ20 والعقد الأول من القرن الحالي، ثم أسعار الفائدة شديدة الانخفاض التي سادت لأكثر من عقد من الزمن بعد الأزمة المالية العالمية التي اندلعت 2008، استحوذت شركات التكنولوجيا العملاقة على الأموال الرخيصة لاستخدامها في التهام الشركات المنافسة، والمواهب الهندسية، والبيانات الشخصية، وخنق المنافسة كلما أمكن ذلك. والآن، مع ارتفاع أسعار الفائدة بسرعة، أصبح الائتمان المتاح للمزايدة على الأسهم والعملات الرقمية المشفرة أقل، وتبين أن تقديم الخدمة للمستهلكين بأسعار أقل من التكلفة، من جانب عديد من الشركات التي كانت تلتهم الديون التهاما، قد لا يكون استراتيجية عمل طويلة الأمد قابلة للتطبيق.
يبدو أن الائتمان الوفير يلوث حتما الغرائز الحيوانية بالجشع، ما يؤدي إلى الإفراط في التجاوزات وأعمال الشركات المنافية للقانون. كان من الأفضل كثيرا تشديد الأوضاع المالية، كما تفعل البنوك المركزية الآن أخيرا، وإخضاع الشركات لسوط رأس المال الشحيح والمنافسة في السوق، أليس كذلك؟
ليس بالضرورة. ما يهم حقا ليس حجم الائتمان الهائل بقدر المكان الذي يذهب إليه وماذا يمول نسبة إلى تفضيلات المجتمع واحتياجاته. طالما وجدت التفضيلات والاحتياجات المشروعة، فلن يوجد ما يسمى الاستثمار المفرط، بل ستكون لدينا فقط استثمارات رديئة.
على الجانب الأخلاقي، تتلخص الاستجابة الصحيحة في التراجع عن التقارير التي تناولت خدع بانكمان فرايد، المالية وغير ذلك. لكن الأخلاق ـ التخلص من "حبات التفاح الفاسدة" قبل أن تفسد برميل التفاح بأكمله ـ ليست القضية المركزية. فالمشكلة ليست في الإفراط والجشع، أو حتى مزايا "الإيثار الفاعـل"، بل تكمن المشكلة في أن شيئا ما انحرف بشدة في العلاقة بين القوة السياسية والقوة الاقتصادية... يتبع.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2022.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي