جوهر الثقة «1»
على البنوك المركزية الاستفادة من القوة السحرية الفنية للعملات المشفرة للتمكين من إثراء المنظومة النقدية.
عندما يقوم الناس أو الشركات بسداد مدفوعات، فذلك يعني ثقتهم بأمرين، النقود في حد ذاتها ونظام الدفع الذي ينفذ المعاملة. وبينما يعد هذان العنصران أمرا مسلما به فهما يشكلان أساسا حيويا لأي اقتصاد. فكل يوم تضع الأسر والشركات، لمليارات من المرات، ثقتها في هذا النظام والمؤسسات التي يرتكز عليها.
ويؤدي الابتكار الرقمي حاليا إلى قلب كل من الأموال والمدفوعات رأسا على عقب. وتقوم العملات المشفرة والتمويل اللامركزي على افتراض اللامركزية، وهدفهما هو أن تكون الحلول التكنولوجية بديلا لأدوات الوساطة المالية التقليدية "المصرفيون والسماسرة وأمناء الحفظ". والزيادة الملحوظة في العملات المشفرة استفادت من الخيال الرائج كما تعطينا لمحة عن القدرات الفنية، مثل القدرة على برمجة المدفوعات "قابلية البرمجة"، وعلى جمع عمليات مختلفة في معاملة واحدة "قابلية التركيب"، وتوليد تمثيل رقمي للنقود والأصول "الترميز". ومع هذا، أكدت التطورات الأخيرة عدم قدرة العملة المشفرة على الوفاء بشروط النظام النقدي الذي يخدم المجتمع بالكامل، ونواقصه لیست مجرد آفات وإنما هي عيوب هيكلية لهذا السبب، نذهب إلى أنه ينبغي للنظام النقدي المستقبلي أن يستفيد من القدرات الفنية الجديدة التي تبرزها العملة المشفرة وإن كان يتعين أن يقوم على الثقة التي تمنحها البنوك المركزية "تقرير 2022BIS".
وبعبارة أخرى، أي معاملة مشروعة يمكن تنفيذها باستخدام عملة مشفرة يمكن إنجازها على نحو أفضل بنقود البنك المركزي. ويمكن للعملة الرقمية التي يصدرها البنك المركزي والبنية التحتية العامة الأخرى أن تشكلا ركيزة لمنظومة نقدية غنية ومتنوعة تدعم الابتكار من أجل المصلحة العامة.
بالنظر إلى شروط النظام النقدي الذي يمكن أن يخدم المجتمع بصورة كاملة. يجب أن يكون هذا النظام آمنا ومستقرا بينما يخضع المشاركون فيه "من القطاعين العام والخاص" للمساءلة أمام الجمهور، ويجب أن يتسم بالكفاءة وشمول الجميع. ويجب أن يتمكن مستخدموه من السيطرة على بياناتهم، ويجب منع أي أعمال احتيال أو سوء استخدام للنظام. ويجب أن يتكيف هذا النظام مع الطلبات المتغيرة. ويجب أن يكون مفتوحا عبر الحدود، لدعم التكامل الاقتصادي الدولي. ويتسم النظام النقدي الحالي بأنه آمن ومستقر عموما، وإن كان المجال متاحا للتحسين في كثير من المجالات.
إن الهدف من العملات المشفرة والتمويل اللامركزي هو استنساخ النقود والمدفوعات ومجموعة من الخدمات المالية. فهما يبنيان على تكنولوجيا دفاتر الحسابات الرقمية الموزعة التي لا تحتاج إلى ترخيص مثل البلوكتشين. وتسمح هذه التكنولوجيا بإيجاد وظائف فنية يمكنها التكيف كلما نشأت طلبات جديدة، كما تسمح بالانفتاح عبر الحدود. ومع هذا، تعاني العملات المشفرة عيوبا هيكلية خطيرة تمنعها من تشكيل أساس سليم للنظام النقدي.
أولا، تفتقر العملات المشفرة إلى ركيزة اسمية سليمة. فالنظام يعتمد على عملات مشفرة متقلبة وما يطلق عليه العملات الرقمية المستقرة التي تسعى إلى توفير هذه الركيزة من خلال الحفاظ على قيمة ثابتة لعملة سيادية، مثل الدولار الأمريكي. لكن العملات المشفرة ليست عملات، والعملات الرقمية المستقرة ليست مستقرة. وهذا ما أكده الانفجار الداخلي لعملة "تيرا دولار" في أيار (مايو) 2022 والشكوك المستمرة حول الأصول الفعلية التي تدعم أكبر عملة رقمية مستقرة، وهي "تيثر". وبعبارة أخرى، تسعى العملات الرقمية المستقرة إلى "اقتراض" المصداقية من النقود الحقيقية التي تصدرها البنوك المركزية. ويتبين من ذلك أنه لو لم تكن نقود البنوك المركزية موجودة، لأصبح اختراعها ضروريا.
ثانيا، تؤدي العملة المشفرة إلى التشتت، فالنقود عبارة عن اتفاق اجتماعي، يتميز بآثار الانتشار الشبكي ـ أي كلما استخدم الناس نوعا معينا من النقود ازدادت جاذبيته للآخرين. وترتكز هذه الآثار الشبكية على مؤسسة تحظى بالثقة ـ هي البنك المركزي ـ تضمن استقرار العملة وكذلك سلامة المعاملات وإتمامها بشكل نهائي "أي تسويتها وعدم الرجوع فيها"... يتبع.