عقلان في جوفك
كلنا نعلم أن للدماغ فصين ولكل منهما آلية خاصة للتعامل مع المعلومات الواردة في الحالات الطبيعية، لكن لا أحد يعلم كيفية عملهما وطريقة تواصلهما ولا ماذا يحدث حين يختل الدماغ لأي سبب، هل تتغير طريقة تعامله مع المعلومات واكتساب الخبرات؟! إلى أن أتى جراح المخ وعالم الأعصاب روجر سبري في سبعينيات القرن الـ20، واكتشف أن هناك آليافا تربط بين نصفي الدماغ وتعمل كجسر اتصال بينهما، ونال على اكتشافه هذا جائزة نوبل، ومن هنا بدأت فكرة أن لدينا دماغين "مخ شمال ومخ يمين"، وثبت علميا أن نصفي المخ مختلفا القدرات، ويدعم كل منهما أداء الآخر حين يكونان متصلين بشكل طبيعي، لكن حين يتم فصلهما جراحيا "أو بنزيف أو جلطة أو ورم، يعزل أحدهما عن الآخر"، فإن كل فص يعمل بمفرده كعقل مستقل بشخصية فريدة!
والاكتشاف العظيم حدث عندما أصيبت عالمة المخ والأعصاب الكاتبة والدكتورة جيل بولتي تيلور بجلطة في الفص الأيسر من دماغها، لتكتشف أحد أسرار إعجاز الخالق في هذا الكون، لقد ظلت تراقب وظائف مخها من حركة وكلام وإدراك الذات وهي تتوقف واحدة تلو الأخرى. ووجدت أن مراكز اللغة في الفص الأيسر من دماغنا تظل تتحدث معنا بشكل دائم، وهي ظاهرة سمتها جيل تيلور "ثرثرة العقل"، وتتمثل في الحوارات التي نجريها مع أنفسنا داخليا وتكرر علينا تفاصيل حياتنا فنظل نتذكرها، ومن خلالها تتحدد ذواتنا، وتزودنا بمن نكون، ومن دونها سننسى من نحن ونفقد معالم حياتنا وهويتنا ولغتنا.
ويكون دور الفص الأيمن في الحالة الطبيعية من اتصال الفصين، أن يكمل إنجاز المراكز اللغوية للفص الأيسر عن طريق التواصل غير المنطوق، أي اللغة الخفية التي توحي بها نبرة الصوت وتعبيرات الوجه ولغة الجسد، ومن ثم تمكننا من تمييز الصدق من الكذب في الكلام.
يهتم شخص الفص الأيمن بكل ما يحدث الآن، يطلق الابتسامات السخية، ويبدو ودودا، وعلى النقيض من ذلك، فإن شخص الفص الأيسر يهتم بالتفاصيل وإصدار القرارات ويكون أكثر حزما وجدية من شخصك الآخر!
تقول تايلور إن تعطل فصها الأيسر مكنها من تقوية حس البراءة والنقاء والابتسامة الدائمة لديها كطفل، لذا هي ممتنة للجلطة التي أصابتها وأفسحت المجال لنصفها الأيمن لينطلق بحرية معبرا عن جمال الوجود وروعة الحياة المسالمة! لقد صنع جسدها من مرضها معجزة إذ استغلت ما منحها الله إياه لتخرج من معركتها مع المرض منتصرة.