الجرائم الإلكترونية .. استباقية سيبرانية

في عالم اليوم وسط الانتشار الواسع للإنترنت وازدياد مستخدمي الإنترنت حول العالم يوما بعد الآخر، أصبح الأمن السيبراني مهما للغاية أكثر من أي وقت مضى، نظرا إلى كثرة التهديدات الأمنية والهجمات الإلكترونية التي تشكل خطرا كبيرا على الدول والمجتمع وأفراده، وأصبح الأمن السيبراني عملا مهما وضروريا من قبل كثير من المتخصصين والمهتمين في هذا المجال، ويهتم عديد من الشركات بتطوير البرامج وإنشاء برنامج لحماية البيانات.
وهذا مهم ليس فقط لأنه يساعد على تأمين المعلومات، لكن أيضا لأنه يساعد على الحماية من هجوم الفيروسات. ويعد من أكثر الأمور أهمية في عالم الإنترنت في القرن الـ21، حيث شهد التطور التكنولوجي وتطور الاتصالات والإنترنت السيبراني ثورة في تراسل المعلومات والبيانات والتجارة الإلكترونية. ويسهم بشكل كبير في الحد من الجرائم الإلكترونية التي تطورت بشكل كبير على مستوى العالم نتيجة لاتصال أعداد مهولة من الأجهزة على الإنترنت، التي بلغ عددها في 2021 نحو 21.1 مليار جهاز.
ومن هنا نلاحظ أن المملكة حققت قفزات نوعية في ميدان الأمن السيبراني، معززة بدعم لا يتوقف من جانب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لمواكبة التطورات والمتغيرات المتسارعة، وبلوغ مستهدفات "رؤية المملكة 2030"، التي تشمل كل قطاع وطني يسهم في استكمال عملية البناء الاقتصادي الشاملة. الأمن السيبراني يظل محورا رئيسا في سياق الحراك السعودي العام، لأنه يدخل أيضا ضمن نطاق التقنية والابتكار وتنمية القدرات والكوادر التقنية المحلية. ولأن الأمر كذلك، كان طبيعيا أن تحتل السعودية المرتبة الثانية دوليا في المؤشر العالمي للأمن السيبراني لـ2021، وهي تسير نحو مزيد من التمكين في هذا النطاق، في حين لا تزال هناك دول متقدمة تعاني الوصول إلى الحد المقبول من هذا الأمن، مع تزايد وانتشار عمليات الاحتيال والقرصنة والتسلل إلى البيانات الخاصة للأفراد والشركات حتى الحكومات.
منتدى الأمن السيبراني الذي يعقد حاليا في الرياض، يدخل ضمن اهتمامات البلاد في هذا الجانب الحيوي، كما أنه يكرس محورية السعودية في مجال يشغل الرأي العام دون توقف، ولا سيما في ظل تطورات أدوات القرصنة والهجوم السيبراني، حتى إنها تسبق أدوات الجهات الحكومية والأمنية في أغلبية دول العالم. ومن هنا، كان الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، واضحا من على منصة هذا المنتدى، حين أكد "ضرورة أن نكون استباقيين لصد التهديدات". وهذا يعني ألا تنتظر الجهات الحكومية وقوع الهجوم لترد، بل عليها أن تفكر بذهنية هؤلاء القراصنة لوقف أعمالهم الإجرامية المختلفة، بما في ذلك تدمير البيانات، أو تخريب المؤسسات، أو الابتزاز، أو بيع أسرار، أو التهديد ببيعها، إلى آخر أهداف هؤلاء الذين يتمتعون بالفعل بقدرة متجددة على استمرار أعمالهم المشينة هذه.
وشعار المنتدى واضح، ويؤكد مجددا حقيقة الخطوات المتقدمة للقراصنة والمحتالين والمجرمين السيبرانيين حول العالم، وهو "إعادة التفكير في الترتيبات السيبرانية العالمية". ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالتعاون الدولي. فالكل معرض للهجمات السيبرانية بصرف النظر عن طبيعتها. فتبادل المعلومات والأفكار في الحرب على القراصنة تعد الخطوة الأولى في هذه الحرب التي لا تتوقف. ففي العام الماضي، كلفت جرائم الإنترنت عموما العالم ما يزيد على ستة تريليونات دولار، وهي مرشحة أن تسجل سنويا عشرة تريليونات دولار بحلول 2025 وفق شركة سايبر سيكيورتيفينشير. فقد بلغ معدل نمو هذه الجرائم 15 في المائة منذ منتصف العقد الماضي، بحسب أكثر من مؤسسة مختصة في هذا المجال. وبصرف النظر عن أن 95 في المائة من الانتهاكات السيبرانية ناتجة عن خطأ بشري، إلا أن الوضع خطير، ولا بد من تمكين العالم للسيطرة عليه، أو للتقليل من الخسائر قدر الإمكان.
ومن هذه المنطلقات، تأتي أهمية "المنتدى الدولي للأمن السيبراني 2022" في الرياض، الذي ضم 120 متحدثا من مائة دولة. فهذا التجمع يدعم المخططات السعودية التي تصب في النهاية في المصلحة العالمية كلها. كما أنه يمثل ساحة لاستقطاب الشركات العالمية لنقل المعرفة محليا، وتمكين الجيل المقبل في هذا النطاق. وفي مثل هذا التجمع العالمي المحوري، تتوسع الساحة لتمكين الشركات الناشئة في الأمن السيبراني عموما، عبر التواصل مع نظيراتها العالمية الأخرى. فتبادل المعلومات والخبرات إضافة إلى الابتكارات الجديدة، يعد بحد ذاته سلاحا قويا في الحرب على الجرائم الإلكترونية عموما، ولا يمكن تحقيق انتصارات فيها من دونه. الحرب لن تكون سهلة ولا قصيرة. ولا مناص من التعاون الدولي المباشر لحماية الشبكة الدولية والشركات والمؤسسات العامة والخاصة والأفراد، وعدم التركيز دائما على أن أخطاء شخصية هي التي تتسبب في ارتفاع مستويات الجرائم السيبرانية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي