نقص الاستثمار النفطي يزيد من مخاطر المعروض وسط حذر في الإنفاق الرأسمالي
ارتفعت أسعار الخام خلال تعاملات أمس، بفعل التفاؤل المتعلق بتعافي الطلب في الصين وزيادة شهية المخاطرة لدى المستثمرين، إلى جانب تقلص المعروض النفطي بسبب العقوبات المرتقبة على النفط الروسي.
ويقاوم المكاسب استمرار المخاوف من التباطؤ الاقتصادي العالمي، خاصة بعد قرار "الفيدرالي" الأمريكي إجراء زيادات متتالية لأسعار الفائدة لمكافحة التضخم.
وتشير بيانات لوكالة "بلاتس" للمعلومات النفطية، إلى أن الإنفاق الرأسمالي على النفط ارتفع، لكن ليس بما يكفي، ولذا من المتوقع أن الإنفاق على مشاريع المنبع سينمو 13 في المائة، هذا العام وهو أعلى معدل نمو في عقد، ويأتي من نقطة انطلاق منخفضة للغاية، فيما لا يزال الاستثمار أقل من ذروة 2014 بأكثر من 45 في المائة.
ولفتت البيانات إلى أن هناك حاليا بعض الاعتراف بأن الاستثمار في الوقود الأحفوري أمر بالغ الأهمية للحفاظ على أمن الطاقة، وبينما نشهد اعترافا بالحاجة إلى الاستثمار في النفط والغاز لم يترجم ذلك بعد إلى إنفاق إضافي فعلي.
ويقول لـ «الاقتصادية» محللون نفطيون "إن أسعار النفط شهدت تقلبات متلاحقة في ظل مخاوف من أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيستمران في مواجهة الرياح المعاكسة في ترويض التضخم الذي لا يزال يهيمن على السوق، بينما في المقابل تم تعويض الاتجاه الهبوطي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى حد ما بوعود صينية بتحفيز الاقتصاد وإعادة توجيه صناعة النفط إلى تركيز أكثر توجها نحو التصدير".
وأوضح المختصون أن الضغوط الهبوطية على الأسعار تعود إلى احتمال إجراء رفع وشيك للفائدة الأمريكية علاوة على احتمال الإفراج عن مزيد ومزيد من احتياطي البترول الاستراتيجي، ما يكبح مكاسب أسعار النفط الخام ولو نسبيا. وفي هذا الإطار، يقول سيفين شيميل مدير شركة "في جي إندستري" الألمانية "إن مكاسب الأسعار تعود في الأساس إلى التفاؤل بقرب تعافي الطلب الصيني، خاصة بعد إعلان حكومة بكين خططا جديدة لتحفيز النمو الاقتصادي وتخفيف قيود الإغلاق في البلاد".
ونوه بخطط الإدارة الأمريكية لتسريع وتيرة الإفراج عن الاحتياطي الاستراتيجي للسيطرة على أسعار الوقود في هذه المرحلة، لكنها أكدت أنها ستبدأ بشراء النفط الخام لتجديد احتياطي البترول الاستراتيجي عندما تنخفض الأسعار إلى ما بين 67 دولارا و72 دولارا للبرميل.
ويرى روبين نوبل مدير شركة "أوكسيرا" الدولية للاستشارات، أن السوق النفطية يغيب عنها اليقين وتسيطر عليها تقلبات الأسعار مع قلق أمريكي واسع من ارتفاع أسعار التجزئة للوقود بشكل كبير في البلاد في عام انتخابات التجديد النصفي، مشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية ليست أمامها خيارات كثيرة لمواجهة الأزمة حيث لجأت إلى الإفراج عن إجمالي 180 مليون برميل من النفط الخام هذا العام ردا على ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب في أوكرانيا وفى ظل رد الفعل على الحظر الذي فرضه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الذي يستهدف صناعة الطاقة الروسية، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار على نحو قياسي.
من جانبه، يقول ماركوس كروج كبير محللي شركة "أيه كنترول" لأبحاث النفط والغاز، "إن هناك حالة من عدم اليقين حول الطلب المستقبلي على النفط الخام، لكن من المطلوب تشجيع الشركات على الاستثمار في الإنتاج في الوقت الحالي، ما يساعد على تحسين أمن الطاقة في العالم وخفض أسعار الطاقة التي أشعلتها الحرب في أوكرانيا". وأضاف أنه "حتى الآن لم تنعش أسعار النفط المرتفعة الاستثمار في الصناعة - بحسب تقديرات بنك جي بي مورجان - حيث تعاني صناعة النفط نقص رأس المال، مع الحذر المستمر بشأن النفقات الرأسمالية"، مشيرا إلى أن الركود في العام المقبل قد يدفع أسعار النفط الى متوسط 80 دولارا للبرميل، لكن لا تزال هناك مخاطر في السوق قد تدفعه إذا تضافرت معا إلى مستوى 150 دولارا للبرميل.
وتوضح جولميرا رازيفا، كبير الباحثين في المركز الاستراتيجي للطاقة في أذربيجان، أن تحالف "أوبك+" يبذل جهودا واسعة لدعم الاستثمار، ومنها تعزيز الأسعار لإنعاش الصناعة، ولا سيما أن نقص الاستثمار يزيد بالفعل من مخاطر نقص المعروض بشكل كبير في سوق النفط، إلا أن الإنفاق النفطي سيبلغ 400 مليار دولار حتى 2030، بحسب تقديرات بنوك استثمارية دولية.
وشددت على ضرورة أن تنمو جميع استثمارات الطاقة - في كل من الوقود الأحفوري وغير الأحفوري - بمعدل أسرع مما يوحي به الاستثمار السائد، لافتة إلى حقيقة أن ارتفاع أسعار النفط والمخاوف المتزايدة بشأن أمن الطاقة لم تترجم إلى انتعاش قوي في الإنفاق، وأنه من المؤكد أن الوقود الأحفوري سيلعب دورا في مزيج الطاقة على المدى الطويل، نظرا إلى حقيقة أن النفط غير قابل للاستبدال إلى حد كبير مع مصادر الطاقة الأخرى حتى 2030.
من ناحية أخرى، وفيما يخص الأسعار، صعدت أسعار النفط أمس، معوضة خسائر تكبدتها في الجلسة السابقة، إذ أقبل المستثمرون على السلع الأولية وسط مكاسب في أسواق الأسهم، وظهور علامات على تجدد الطلب في الصين أكبر مستورد للنفط.
وبحلول الساعة 04:55 بتوقيت جرينتش، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسوية ديسمبر 46 سنتا، أو 0.5 في المائة، إلى 90.49 دولار للبرميل، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي تسليم نوفمبر 83.69 دولار للبرميل، بزيادة 87 سنتا، أو 1.1 في المائة.
وقال سوفرو ساركار، كبير محللي الطاقة في بنك دي.بي.إس في سنغافورة "من المرجح أن يكون الارتفاع الطفيف في أسعار النفط ناجما عن المعنويات المرتفعة في بورصات الأسهم وعودة المخاطرة في التداولات".
كما تدعمت الأسعار في ظل بوادر انتعاش الطلب الصيني، فقد حصلت شركة التكرير العملاقة الخاصة تشجيانج بتروكيميكال كورب على حصة إضافية لاستيراد النفط الخام في 2022 قدرها عشرة ملايين طن، ونالت شركة شيم تشاينا التي تديرها الدولة على حصة إضافية قدرها 4.28 مليون طن، ويعادل ذلك نحو 104 ملايين برميل.
كما أدى الحظر المنتظر من الاتحاد الأوروبي على الخام والمنتجات النفطية الروسية، وخفض الإنتاج الذي قررته مجموعة "أوبك+"، المؤلفة من منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" ومنتجين آخرين بينهم روسيا، البالغ مليوني برميل يوميا، إلى حفاظ الأسعار على قوتها.
وقال التقرير اليومي لمنظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك"، أمس، "إن سعر السلة التي تضم متوسطات أسعار 13 خاما من إنتاج الدول الأعضاء في المنظمة حقق ثاني انخفاض على التوالي، وإن السلة خسرت نحو ستة دولارات مقارنة باليوم نفسه من الأسبوع الماضي، الذي سجلت فيه 96.03 دولار للبرميل.