اتجاه لنشوء نموذج جديد للرأسمالية «2 من 2»
إن بروز الأصول غير المادية على نحو متزايد يفرض حتمية رفع المهارات والقدرات بشكل أكثر حدة. من المحتمل أن يكون هذا الشكل الجديد الناشئ من الرأسمالية مبهرا من منظور الأشخاص المؤهلين الذي يتمتعون بمهارات محمولة بدرجة كبيرة، لكنه سيكون أكثر ترويعا إلى حد ما في نظر الأشخاص الأقل مهارة والأقل تمرسا في المجال الرقمي. كما أن الشركات التي تفتقر إلى الموارد اللازمة لتنفيذ الاستثمارات الضرورية في الأصول غير المادية، قد تزداد تخلفا عن الركب. وهذا يعني أن الاقتصاد غير المادي ربما يهدد بكونه وصفة أكيدة للتفاوت بين الناس إذا لم نكن حريصين على إدارته بشكل جيد ومدروس.
خلص بحث سابق أجراه معهد ماكينزي العالمي إلى أن السمة المميزة الأساسية التي تتمتع بها الشركات "الخارقة"، هي استثمارها في الأصول غير المادية، بما في ذلك الإنفاق الضخم الواسع النطاق لرفع مهارات وقدرات موظفيها. في 2019، على سبيل المثال، أعلنت "أمازون" خططا لإنفاق 700 مليون دولار في غضون ستة أعوام لإعادة تدريب 100 ألف موظف. كما وضعت شركات أخرى عملاقة في مجال التكنولوجيا، بما في ذلك "جوجل" و"آي بي إم"، خططا مماثلة.
لكن تركز الإيرادات والأرباح على نحو متزايد في يد مجموعة صغيرة من الشركات الناجحة يهدد بزيادة الفوارق في الدخل والثروة. تميل الشركات الخارقة التي تستثمر بكثافة في الأصول غير المادية إلى توظيف أعداد أقل من العاملين من ذوي المهارات العالية، والأفضل أجورا الذين هم في عموم الأمر أكثر إنتاجية من الموظفين في الشركات الأقل رقمنة. وإذا تقدمت هذه الشركات الخارقة إلى الأمام شوطا أبعد، فقد تسجل حصة العمالة في الدخل الوطني ـ النسبة المئوية التي تذهب إلى تعويض العمال ـ مزيدا من الانخفاض.
ليس المقصود بهذا أن الشركات الناجحة القائمة على الأصول غير المادية يجب أن تمنع من مزيد من التوسع أو من تدريب موظفيها. الواقع أن هذه الشركات تشكل مصادر مهمة للإبداع والابتكار والنمو عالي الإنتاجية، كما تتمتع بحوافز هائلة للاستمرار في الاستثمار في الأصول غير المادية. عوضا عن ذلك، ينبغي للشركات والحكومات أن تبذل قصارى جهدها لنشر المهارات التي من شأنها أن تفتح الفرص لمزيد من الأفراد والشركات في الاقتصاد الرقمي.
الحق أن قيمة ضخمة أصبحت على المحك الآن. في ضوء الأدلة المتزايدة التي تؤكد علاقة الارتباط بين الاستثمار في الأصول ونمو القيمة المضافة الإجمالية، ينبغي للمسؤولين التنفيذيين وصناع السياسات أن يسألوا أنفسهم ما المطلوب لتحقيق الفرص المتمثلة في الأصول غير المادية. إذا حصلت الشركات على 10 في المائة إضافية على الحصة ذاتها من الاستثمار في الأصول غير المادية ونمو القيمة المضافة الإجمالية التي تحصل عليها الشركات الأكثر نموا، فقد ينتج عن ذلك إضافة تريليون دولار إلى القيمة المضافة الإجمالية، أو زيادة بنحو 2.7 في المائة في مختلف القطاعات في اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
تستطيع الحكومات أن تلعب دورا رئيسا في إعادة تشكيل المهارات وضمان توافر البنية الأساسية المعرفية الصحيحة في المكان المناسب. وهذا يعني التركيز على التعليم، والإنترنت، وغير ذلك من تكنولوجيات الاتصال، والتخطيط الحضري، والإنفاق على العلوم العامة.
لقد أصبح الاقتصاد الرقمي غير المادي حقيقة واقعة قائمة، ومن غير الممكن وقف انتشاره. والآن يتمثل التحدي في إدارة الانتقال على النحو الذي يعود بالفائدة على كثيرين وليس قلة قليلة من الناس.
خاص بـ "الاقتصادية"
بروجيكت سنديكيت، 2022.