قرارات «أوبك» والتسلق عليها
رأس الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، الخميس الماضي، الاجتماع الوزاري الـ33 لدول منظمة "أوبك" والدول المنتجة للنفط من خارج المنظومة، وتم الاتفاق على مجموعة من القرارات في ضوء الظروف الحالية والتغيرات المتسارعة في أسواق الطاقة. تم الاتفاق على تمديد الاتفاق التاريخي "أوبك +" الذي أسهم بفاعلية في استقرار أسواق النفط خلال الفترة السابقة، رغم الظروف الاستثنائية التي مر بها العالم، بسبب جائحة كورونا التي نحرت الاقتصاد العالمي من الوريد إلى الوريد وشلت أركانه، وقطاع الطاقة على رأس القطاعات والأنشطة التي تضررت من هذه الجائحة.
تم الاتفاق على تمديد الاتفاقية إلى نهاية 2023، وهي خطوة مميزة في اعتقادي ومهمة جدا في هذه المرحلة الحرجة، لاستقرار أسواق النفط والتعامل الأمثل مع التحديات والعقبات التي تواجهها بسبب كثير من العوامل، وعلى رأسها بلا شك الحرب الروسية الأوكرانية. من القرارات كذلك التي تم الاتفاق عليها في الاجتماع الوزاري، وهو حديث الساحة، خفض الإنتاج بواقع مليوني برميل يوميا من مستويات الإنتاج المطلوب في آب (أغسطس)، وذلك ابتداء من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. كما أنني لست متفاجئا من سلامة وحكمة قرار "أوبك +" بخفض الإنتاج، فلست متفاجئا أيضا من محاولات التدليس والتسييس وتضليل الرأي العام عن ماهية القرار وأهدافه. تصدير المشكلات الداخلية لأي دولة، واللعب على وتر نظرية المؤامرة، ديدن القيادة الإيرانية التي ينتقدها العالم دائما من على كل منبر، ومنها بلا شك المنبر الأمريكي، وأن هذه الشعارات ليست إلا لتشتيت الرأي العام عن الداخل. من ينظر بعين الحياد والموضوعية إلى قرار "أوبك +" الأخير بخفض الإنتاج، سيعي يقينا أنه قرار يضاف إلى سابقه من القرارات التي تهدف إلى استقرار أسواق الطاقة، والمحافظة على أسعار مناسبة تخدم المنتجين والمستهلكين على حد سواء، وهذا جوهر أساسيات المنظمة، وأيضا هو بطبيعة الحال من صميم سياسة إنتاج البترول السعودي.
ليست مشكلة "أوبك" وحلفائها أن تنظر بعض الدول وساستها إلى هذه القرارات بعين واحدة لا ترى إلا مصلحة المستهلكين، بل أحيانا بعين لا ترى إلا مصالح آنية بعيدة كل البعد حتى عن مصلحة المستهلكين على المدى البعيد! قبل قرار خفض الإنتاج كانت ماكينة الإعلام الأمريكي تردد أن سبب ارتفاع البنزين في أمريكا هو روسيا، وبعد قرار خفض الإنتاج الذي يعد قرارا اقتصاديا بحتا لا يمت للسياسة بأي صلة، كما أكد الأمير عبدالعزيز بن سلمان، بوضوح، لتعرية المتسلقين على قرارات "أوبك +"، فبعد قرار الخفض أصبحت روسيا والسعودية هما سبب ارتفاع أسعار البنزين! وضع الإصبع على الجرح هو بداية أي حل لأي مشكلة، وذلك أجدى من تصديرها وتشتيت الجهود والرأي العام عن حقيقة المشكلة، فكما ذكرت مرارا أن الاستثمار في صناعة النفط من صناعة المنبع إلى المصب، هو ضرورة ملحة وليس خيارا لاستقرار أسعار النفط ومنتجاته وعلى رأسها البنزين.
الطاقة التكريرية للمصافي الأمريكية ليست كافية ولا توازي حجم الاستهلاك الداخل الأمريكي للبنزين ولا توازي نمو سكانها، فلماذا تضع أمريكا العربة أمام الحصان وتشتكي التعثر؟ الأجدى - في رأيي - مراجعة تقييم القرارات التي تقوض صناعة النفط والاستثمار فيه حتى لا يصل النفط ومنتجاته إلى أسعار لن تتحملها الدول التي تنادي بتقويض هذه الصناعة.