رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مقايضة الديون .. ما الثمن ؟

مشكلة الديون التي تفاقمت خلال الفترة الأخيرة أصبحت من أبرز التحديات، التي تواجه الدول النامية والناشئة في الفترة الحالية، خاصة تلك التي تعتمد على التمويل الخارجي. وهذه الدول عليها العمل على سياسات تستهدف خفض عجز الموازنة من أجل تقليل تكلفة الاستدانة، وأيضا تقديم دعم مباشر للفئات الضعيفة من المواطنين الذين لا يتحملون المستويات الحالية من التضخم. ومن هنا تواجه الاقتصادات العالمية خطر ارتفاع الديون وأيضا التخلف عن سداد الديون مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية بسبب التداعيات التي صاحبت جائحة كورونا، ثم أتبعتها تأثيرات أزمة أوكرانيا.
وطبقا لتقرير حديث صادر من معهد التمويل الدولي، ارتفعت نسبة الدين العالمي خلال الربع الثاني من العام الجاري لتصل إلى نحو 350 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وأظهر التقرير أن إجمالي الديون العالمية قد ارتفع ليصل إلى 300.1 تريليون دولار في الربع الثاني من 2022، مقابل 299.5 تريليون في الربع المماثل من العام السابق. كما أن نسبة الدين العالمي إلى الناتج المحلي الإجمالي بدأت في الارتفاع بعد أربعة تراجعات فصلية على التوالي. ويتوقع أن تصل نسبة الدين العالمي إلى 352 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية 2022.
ويبدو أنه من هنا جاءت تنبيهات وتحذيرات البنك الدولي الأخيرة بأن العالم يواجه "موجة خامسة من أزمة الديون"، ومفهوم موجات الديون العالمية أصبح حاضرا بقوة، خاصة أنه خصصت مناقشات ساخنة في أروقة مجموعة البنك الدولي، من أجل تسليط الضوء على الآثار المترتبة في التراكم السريع للديون الذي يشهده العالم. ووفقا لهذا المفهوم، فإن العالم قد مر بأربع موجات للديون العالمية، هي: موجة الديون التي تلت الأزمة المالية العالمية أي منذ 2008 حتى 2019، والأزمة التي تلت الانهيارات في كبرى الشركات الأمريكية بداية الألفية الجديدة أي منذ 2000 حتى 2008، وأزمات الدول الآسيوية منذ 1990 حتى 2000، وأزمة دول أمريكا اللاتينية منذ 1970 حتى 1989، هذه هي الموجات المقصودة في تقرير البنك الدولي، التي تجمع بينها صفات مشتركة وهي معدلات الفائدة العالمية المنخفضة للغاية وبحث المستثمرين عن العائد، ما أحدث تغييرات رئيسة في الأسواق المالية وتصاعد موجة الاقتراض وزيادة الشهية لسندات العملة المحلية، وارتفاع الطلب على ديون الأسواق الناشئة والدول النامية مع نمو في قطاع الظل المصرفي، ما عزز تصاعد نقاط الضعف مع تقدم الموجة والتحول إلى أدوات الدين الأكثر خطورة، بما في ذلك الاعتماد المتزايد على المقرضين الثنائيين وتزايد العجز المالي في عديد من الدول، وأخيرا تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي، وفي كل أزمة كانت الحكومات تتورط في "ديون محلية مخفية" تتجاوز المستويات الموثقة.
العالم اليوم وسط موجة خامسة من أزمة الديون التي أنتجتها الأزمة الصحية، وأرغم الوباء عديدا من الدول على مزيد من الاقتراض، بينما حذر البنك وصندوق النقد الدوليان عديدا من هذه الدول بأنها تواجه صعوبات بشأن الديون وخطرا بذلك وسط ارتفاع التضخم العالمي وارتفاع أسعار الفوائد، وفي 2022 وحده أصبح نحو 44 مليار دولار من مدفوعات خدمة الدين الثنائية والخاصة مستحقة في بعض الدول الفقيرة، أعلى من تدفق المساعدات الأجنبية التي يمكن أن تأمل فيها تلك الدول.
لكن، ما الذي تقوله الأرقام اليوم؟ تشير البيانات الرسمية إلى أن سندات الدين العالمية للدول النامية فقط قفزت من أكثر من أربعة تريليونات دولار 2010 لتصل إلى قريب من تسعة تريليونات دولار، والدين الخارجي طويل الأجل من ثلاثة تريليونات إلى أكثر من ستة تريليونات دولار، والديون قصيرة الأجل من 1.1 تريليون دولار إلى 2.1 تريليون دولار، وتضاعف الدين على الدول النامية بشكل واضح، ولم يقابل ارتفاع المديونية الخارجية نموا مناسبا في الدخل القومي الإجمالي أو نموا كافيا في الصادرات، فبينما ارتفعت نسبة الدين الخارجي إلى إجمالي الدخل القومي في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل من 27 في المائة في 2019 إلى 29 في المائة في 2020، وارتفعت نسبة الدين إلى الصادرات من 106 في المائة في 2019 إلى 123 في المائة. وكان هذا التدهور في مؤشرات الديون منتشرا في جميع المناطق الجغرافية. وفي لحظات كهذه مع تصاعد سعر الفائدة، فإن الأزمات السابقة أثبتت أن الدول تتجه أكثر إلى ما يسمى الديون الخفية، ولذلك فإن مزيدا من الشفافية بشكل جذري من الدائنين والمقترضين بشأن مستويات الديون، قبل أيام من الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن يعد أمرا ضروريا.
وهنا من الواضح أن اختيار البنك الدولي عبارات موجات الدين لم تأت من فراغ، فهي موجات تتسم بالتتابع، وكل موجة تحفز للموجة التالية، وقد خرج العالم من الأزمة المالية التي أخذت وقتا طويلا لمعالجة آثارها بإجمالي ديون للدول النامية العامة والخاصة بلغ 170 في المائة من إجمالي الناتج المحلي "55 تريليون دولار" في 2018، وبزيادة قدرها 54 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي منذ 2010. لكن الأزمة الصحية جعلت الدول النامية خاصة بحاجة إلى زيادة مستويات الاقتراض لمعالجة الظروف الناشئة مع الأزمة الصحية، ما جعلها بحاجة إلى مزيد من تدفق رؤوس الأموال، ولم تبدأ هذه الدول في استعادة قدرتها على التوازن ومن ثم النمو حتى جاءت موجة ارتفاع أسعار الفائدة، مع ارتفاع التضخم وأسعار الطاقة.
مع هذا الموقف الخطر فعلا، هل نحن أمام أزمة مالية حتمية لا مفر منها، أم أن هناك فرصة أمام العالم من أجل تلافي الأزمة؟ في هذا يطلب البنك الدولي من الصين، وهي الدائن الرئيس للدول منخفضة الدخل، أن تكون أكثر انفتاحا بشأن الإقراض و أكثر نشاطا في جهود إعادة هيكلة الديون، لكن هذا يتطلب مقايضة مع قضايا عالمية رئيسة ومن بينها تايوان. كما أن مقايضة الديون تحمل في بعض أبعادها وطياتها أهدافا سياسية، وقد يكون هذا هدفا أساسيا لدى بعض الدول والمنظمات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي