استقرار النظام المالي برؤية أوسع «3 من 3»
على عكس التقدم المحرز صوب دمج أبعاد التوازن العام في الإطار التقليدي لاختبارات القدرة على تحمل الضغوط لضمان السلامة الاحترازية الجزئية، لم يحرز سوى تقدم محدود نسبيا في التصدي للتحدي الثاني، وهو القياس الصائب لمدى صلابة النظام المالي ككل وقدرته على مواصلة تقديم خدمات الوساطة المالية تحت الضغوط.
وينبغي أن يتم القياس بطريقة تسمح لفرادى البنوك وهيئات الرقابة عليها أن تتخذ إجراءات بشأن النتائج. ومن الصعب بناء نموذج يقيس بشكل صائب المخاطر النظامية ومساهمة فرادى المؤسسات في تلك المخاطر، ثم يربط النتائج بالإطار التنظيمي القائم لكل بنك، مثل نسب كفاية رأس المال أو القواعد بشأن السيولة، وهناك صعوبة أكبر في جعل هذا النموذج قويا بما يكفي لاستخدامه في بيئات مختلفة ولمؤسسات مالية مختلفة، لكن بسيطا بما يكفي لكي يفسر العوامل للهيئات الرقابية ومديري البنوك والمشاركين في الأسواق.
كيف ننتقل من وضعنا اليوم إلى اختبارات أكثر فاعلية للقدرة على تحمل الضغوط لضمان السلامة المالية الاحترازية؟
استخدام مجموعة متنوعة من النماذج، بالنظر إلى أوجه القصور في الأطر القائمة لاختبارات القدرة على تحمل الضغوط، يكون من دواعي الدهشة أن نرى أن عددا من البنوك المركزية والهيئات الرقابية يعتمد على نماذج فردية واحدة. فذلك يجعل نتيجة الاختبار رهينة للقيود التي تشوب الإطار التحليلي الواحد.
وبدلا من ذلك، ينبغي استخدام مجموعة متنوعة من النماذج لإجراء اختبارات القدرة على تحمل الضغوط لضمان السلامة الاحترازية الكلية. ويتمثل التحدي في تلك الحالة في تفسير نتائج النماذج المختلفة وتوليفها في إطار سردي متماسك ومقنع. وهل ينبغي الجمع بين النتائج المختلفة أو الخروج بمتوسط بناء على قاعدة صارمة؟ وهل ينبغي استخدام التقدير النوعي في الحكم على النتائج المختلفة وربما المتناقضة؟ هذان سؤالان معقدان، لا تتوافق بشأنهما آراء الممارسين. إلا أن ذلك تحد تصدر معالجته، لأن من شأنه أن يعزز التبصر بالمخاطر النظامية وجودة الحوار التالي بشأن الاستقرار المالي، داخل الهيئة الرقابية ومع البنوك على حد سواء.
افتراض سيناريوهات للصدمات أكثر عددا وذكاء، يقتصر معظم عمليات اختبارات القدرة على تحمل الضغوط على سيناريو واحد أو اثنين من سيناريوهات الضغوط، "على سبيل المثال حدوث سيناريو معاكس وركود حاد"، ويشوب هذا المنهج عيب رئيس، وهو أن القدرة على الصمود أمام صدمة لها احتمال معين لا تعني ضمنا القدرة على الصمود أمام جميع الصدمات التي لها الاحتمال نفسه. وهو يتجاهل أيضا الأهمية المتزايدة للطبيعة العابرة لحدود المخاطر، فقد أصبحت البنوك والمؤسسات المالية الأخرى مترابطة بصورة متزايدة عبر الحدود، ويمكن أن تكون عرضة للصدمات التي تنشأ في بلد أو سوق أجنبية أو تنتشر من خلالهما. ومن ثم يمكن أن تكون نتيجة الاختبار مضللة إذا كان الاختبار يعتمد على سيناريو واحد للضغوط يتركز على حدوث ركود محلي.
والعلاج الواضح لذلك هو استخدام عدد كبير من السيناريوهات بالغة الشدة، لكن معقولة لإجراء اختبارات القدرة على تحمل الضغوط. فمن شأن ذلك توفير حس أفضل بمدى قدرة النظام على الصمود أمام طائفة من الصدمات، ما يوفره سيناريو واحد. ومن شأن استخدام سيناريوهات متعددة "وكذلك نماذج متعددة" أن يوفر ميزة كبيرة أخرى، وهي أنه سيضيق إلى أدنى درجة النطاق أمام فرادى المؤسسات "للتحايل على الاختبار"، أي تعبئة خيارات الحافظة باتجاه اجتياز اختبار محدد للقدرة على تحمل الضغوط وهي مخاطرة تدركها الهيئات التنظيمية.
وإضافة إلى العدد، توجد مسألة ذات صلة وهي نوع السيناريو المستخدم في الاختبارات. ففي معظم الحالات، يكون السيناريو الأساسي للاختبار حدوث صدمة اقتصادية كلية معاكسة خارجية للقطاع المالي، مثل حدوث ركود حاد أو هبوط أسعار المساكن. لكن في أزمات فعلية كثيرة، تنشأ الصدمة كلية داخل النظام المالي ثم يتبعها ركود.. ففي دراسة تناولت 43 أزمة مصرفية في 30 بلدا ـ ظهر أن نصف الأزمات فقط هو الذي سبقته أوضاع اقتصادية كلية معاكسة.
ولذلك فحتى تتكون لاختبارات القدرة على تحمل الضغوط فاعلية ينبغي أن تتضمن عددا أكبر وطائفة أوسع من سيناريوهات الضغوط "الذكية" التي تغطي مجموعة متنوعة من المخاطر، بما في ذلك الصدمات الاقتصادية الكلية المحلية، وتحركات أسعار الأصول، والعدوى عبر الحدود. ويتطلب إجراء تلك الاختبارات فهما متعمقا للمخاطر التي تؤثر في النظام المالي، بما في ذلك الأبعاد العابرة للحدود، ومن شأنه أن يعقد مهمة توليف النتائج وإبلاغها، ولا سيما حين تكون مصحوبة بمجموعة متنوعة من النماذج، وهذه التحديات هي التي منعت كثيرا من هيئات الرقابة من التحرك في هذا الاتجاه. لكن بالنظر إلى العيوب الكبيرة التي ينطوي عليها اقتصار عدد السيناريوهات على واحد أو اثنين، قد يكون الوقت مناسبا لإعادة النظر في توازن التكاليف والمنافع للمنهج الحالي.