رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


استقرار النظام المالي برؤية أوسع «1 من 3»

يجب تطويع اختبارات القدرة على تحمل الضغوط وتوسيعها لتقييم استقرار النظام المالي ككل، فعندما يرغب المهندسون في التأكد من أن هيكلا أو نظاما ما مصمما بشكل جيد، فإنهم يستخدمون أسلوبا يعرف باسم اختبار القدرة على تحمل الضغوط، فيعرضون الجهاز لصدمات وظروف شاقة تكون أشد بكثير من ظروف الاستخدام العادي، وذلك للتأكد من استيفائه المواصفات، أو استبيان الحدود التي يتوقف فيها عن العمل، أو دراسة طرق إخفاقه.
وقام مديرو المؤسسات المالية، وأخيرا هيئات تنظيم القطاع المالي، بتطويع أداة اختبار القدرة على تحمل الضغوط لقياس قوة فرادى المؤسسات المالية، وهم يقومون بذلك عن طريق إخضاع الحافظات لعمليات محاكاة عددية تتألف من صدمات افتراضية من قبيل حدوث رکود حاد، أو تراجع أسعار المساكن، أو انهيار أسواق الأسهم، وتقدير أثر هذه الصدمات في الأرباح أو رأس المال، أو قدرة المؤسسات المالية على مواصلة الوفاء بالتزاماتها.
لكن استخدام اختبارات القدرة على تحمل الضغوط لتقييم مدى مرونة النظام المالي ليس بالبساطة نفسها التي يتم بها تجميع نتائج فرادى المؤسسات. فهناك حاجة إلى مناهج وأساليب جديدة لجعل اختبارات القدرة على تحمل الضغوط، أداة مفيدة لتحليل الاستقرار المالي.
استخدمت اختبارات القدرة على تحمل الضغوط للمرة الأولى للبنوك في أوائل الستينيات. وكانت هذه النماذج المبكرة بسيطة نسبيا، إذ افترضت وقوع صدمة خارجية وتبعت تأثير الخسائر المصاحبة لها على رأسمال البنك المعني. وكانت تبني افتراضات مبسطة بشأن طريقة تجاوب البنك مع الصدمة ـ من حيث توزیع الأرباح، أو توسيع الائتمان، أو الحد من الدين، على سبيل المثال. وكانت تركز على ملاءة البنك، "مقدار رأس المال الذي يتبقى له بعد الصدمة". وكانت مخاطرة نفاد النقد من البنك "مخاطرة السيولة" تعالج بصورة مستقلة عن الملاءة، هذا إن عولجت أصلا، وكان يتم عموما تجاهل التفاعلات بين البنك والآثار المرتدة على الاقتصاد ككل.
وكان تركيز هذه الاختبارات ينصب على ما يطلق عليه الاقتصاديون السلامة الاحترازية الجزئية، أو التركيز على المؤسسة الواحدة، حيث كانت تهدف إلى تقييم احتمالات إخفاق فرادی المؤسسات في ظل الأوضاع المعاكسة. وكان يعتقد بالتالي أن ذلك سيضمن استقرار النظام المالي ككل. لكن حتى مع اعتماد هيئات تنظيم العمل المصرفي لاختبارات القدرة على تحمل الضغوط، فقد فهم كثيرون أن كفالة سلامة كل مؤسسة لا هي ضرورية ولا هي كافية لضمان استمرار استقرار النظام المالي ككل واستمرار عمله، وعلى حد قول الراحل أندرو كروكيت، المدير العام آنذاك لبنك التسويات الدولية، ربما يسعى منهج السلامة الاحترازية الجزئية للتنظيم المالي، إلى إنجاز أهداف مفرطة في كثرتها، وربما تكون إنجازاته مفرطة في قلتها.
وربما يسعى إلى إنجاز أهداف مفرطة في كثرتها، لأن الإخفاق العرضي لمؤسسة ما لا يمثل مشكلة إذا استطاعت المؤسسات الأخرى التدخل، وخدمة عملاء تلك المؤسسة، والمقترضين منها، والمودعين فيها. فبناء جهاز تنظيمي يهدف إلى تجنب أي إخفاق ينطوي على مخاطر الإفراط في توفير الحماية.
وقد تكون إنجازاته مفرطة في قلتها، حيث لا يأخذ التنظيم على مستوى الشركات في الحسبان احتمالات العدوى بين فرادى المؤسسات، ولا طريقة امتثال كل مؤسسة لقواعد تنظيم رأس المال. وعلى سبيل المثال، عندما تدفع هيئة تنظيمية بنكا متعثرا لاستعادة نسبة رأس المال إلى الأصول لديه، فإنها لا تبالي ما إذا كان البنك يقوم بزيادة رأسماله أو تقليص أصوله. لكن إذا قامت نسبة كبيرة من النظام المصرفي بتقليص الأصول في وقت واحد لاستيفاء متطلبات رأس المال، فإن الضرر على الاقتصاد قد يكون كبيرا. وما لم تأخذ الهيئات التنظيمية في الحسبان عامل الترابط والسلوك الجماعي للمؤسسات في استجابتها للصدمات وتأثيرها المحتمل في النظام المالي والاقتصاد، فإنها قد لا تتمكن من الحد من مخاطر دخول النظام ككل في حالة عسر مالي والمخاطر الاقتصادية المصاحبة لذلك ـ أي باختصار أزمة نظامية... يتبع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي