رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أمريكا اللاتينية منطقة تعج بالمتناقضات «2 من 2»

كان تزايد المساواة في توزيع أرباح العمل بين العاملين بأجور وأصحاب العمل الحر هو العامل الأهم، إذ يمثل 60 في المائة من تراجع التفاوت في المنطقة. ويعزى ذلك إلى أن أجور العاملين الذين لا يتوافر لهم سوى قسط محدود للغاية من التعليم زادت بوتيرة أسرع من أجور العاملين الذين لديهم حظ أوفر من التعليم، ولا سيما الحاصلون على التعليم فوق الثانوي ـ في الجامعة أو في أي مؤسسة فوق الثانوية. وفي الواقع، ركدت في البرازيل والمكسيك أجور العاملين الحاصلين على تعليم فوق الثانوي، بل تراجعت في بعض الأحيان. وكانت القوة المشتركة في جميع دول المنطقة التي أسهمت في فجوة الأجور بين العمالة الماهرة والعمالة منخفضة المهارة، هي تزايد نسبة العاملين الذين يدخلون سوق العمل الحاصلين على تعليم ثانوي أو بعد الثانوي.
وقد أدى التوسع في إتاحة التعليم، ولا سيما خلال التسعينيات، إلى تحقيق النتيجة المتوقعة، وهي تراجع فجوة الأجور بين العاملين المهرة والعاملين منخفضي المهارة. فقد زاد عدد العاملين الحاصلين على تعليم ثانوي وبعد الثانوي بوتيرة أسرع من عدد الوظائف التي تتطلب مهارات أعلى. وفي الوقت نفسه، كانت هناك زيادة في الطلب على العاملين منخفضي المهارة في الدول التي تشهد طفرة في السلع الأولية الزراعية، وارتفعت أيضا أجور العاملين منخفضي المهارة استجابة لزيادة الحد الأدنى للأجر، على سبيل المثال في الأرجنتين والبرازيل.
وكان العامل الثاني من حيث الأهمية المسؤول عن خفض التفاوت هو التحويلات الحكومية، التي تفسر في المتوسط نحو 20 في المائة من هذا التراجع. فقد زادت التحويلات الحكومية من حيث الحجم وأصبحت توجه بشكل أفضل للفقراء. ويتم في كل بلد تقريبا في المنطقة تنفيذ برنامج رئيس للتحويلات النقدية يشترط على الأسر إبقاء أطفالهم في المدارس وإجراء فحوص طبية منتظمة حتى يسمح لها بالحصول على المنافع.
ونظرا إلى تناقص الموارد المتاحة في أعقاب أزمة الديون في الثمانينيات، استعاض عدد كبير من الحكومات في أمريكا اللاتينية عن الدعم العام للأسعار مرتفع التكاليف ببرامج موجهة إلى الفقراء. ونظرا إلى أن التحويلات النقدية المشروطة نفذت أولا في البرازيل والمكسيك في النصف الثاني من التسعينيات، فقد مثلت ابتكارا من أهم الابتكارات في السياسة الاجتماعية لتحقيق منافع للفقراء. واليوم، يستفيد نحو 27 مليون أسرة معيشية في المنطقة ـ معظمها من الفقراء ـ من تلك التحويلات النقدية المشروطة. وإلى جانب أن هذه التحويلات النقدية حسنت المستويات المعيشية للفقراء، فقد ساعدت على تحسين مستويات الصحة والتعليم والتغذية لدى الأطفال الذين يعيشون في الفقر، ومن ثم فإنها تحمل الوعد بتحقيق فرص عمل أفضل في المستقبل.
وفي الآونة الأخيرة، أدمج بعض برامج التحويلات النقدية عناصر مثل المساعدة الفنية والائتمان وتحويلات الأصول البسيطة لصغار المنتجين الزراعيين وأصحاب المشاريع متناهية الصغر الموجهة نحو زيادة الإنتاجية والناتج، خصوصا في المناطق الريفية. وأنشأ عدد كبير أيضا من دول أمريكا اللاتينية نظما للمعاشات التقاعدية التي لا تقوم على الاشتراكات لتوفير حد أدنى من الدخل للمسنين الذين لا تتوافر لهم الحماية المقدمة من نظام الضمان الاجتماعي الرسمي.
وحول آفاق المستقبل، فإنه ينبغي توخي الحذر عند التنبؤ بتطورات تفاوت الدخل. ففي ظل آفاق انخفاض النمو وضيق أوضاع الميزانيات التي تواجهها اقتصادات أمريكا اللاتينية، يوجد عاملان يمكن أن ينهيا حقبة تراجع التفاوت. فانخفاض النمو ـ ولا سيما في صادرات السلع الأولية الزراعية ـ سيعني تراجع الطلب على العمالة منخفضة المهارة. ومن ثم يرجح أن تتوقف الزيادة في أجورهم بل وربما تتراجع.
ويعني انخفاض النمو أيضا انخفاض الإيرادات الضريبية. فمع محاولة الحكومات إبقاء حساباتها المالية تحت السيطرة، سيتعين عليها رفع الضرائب أو خفض النفقات أو كلاهما. وفي تلك الظروف، لن تستمر الزيادة في الحد الأدنى للأجور ولن تستمر التحويلات في النمو ـ وربما يتعين فعليا قطعها في بعض الدول "وقد بدأ قطعها بالفعل في بعض الدول، على سبيل المثال، غواتيمالا". وفي الدول التي يرتفع فيها معدل التضخم، قد تتآكل التحويلات ببساطة بفعل ارتفاع الأسعار.
ومع تساوي جميع الاعتبارات الأخرى، سيؤدي تراجع الطلب على العمالة منخفضة المهارة أو انخفاض الحدود الدنيا للأجور والتحويلات الحكومية إلى زيادة التفاوت. لكن إذا أدى انخفاض النمو إلى خفض الطلب على العمالة المهرة بوتيرة أسرع من الطلب على العمالة منخفضة المهارة، ما يؤدي إلى مواصلة تضييق فجوة الأجور بين المجموعتين، يمكن أن يستمر التراجع في انعدام المساواة. ومع تهيؤ الاقتصاد الأمريكي للتعافي، تكون هناك قوة أخرى يمكن أن تسهم في الحد من التفاوت وهي زيادة التحويلات المرسلة من أبناء أمريكا اللاتينية الذين يعيشون ويعملون في الولايات المتحدة.
وفي نهاية المطاف، تعتمد آفاق انعدام المساواة على طول الفترة التي يستمر فيها تباطؤ النمو والعوامل المهيمنة، المؤدية إلى تناقص التفاوت أو تزایده.
وعلى الرغم من تراجع التفاوت في دخول الأسر المعيشية، يظل توزيع الدخل في أمريكا اللاتينية يفتقر بشدة إلى المساواة. فمن بعض النواحي، زاد عدد البليونيرات في أمريكا اللاتينية بوتيرة أعلى من الأماكن الأخرى. ويجب أن يجد واضعو السياسات سبلا لمواصلة زخم تراجع التفاوت حتى في سياق التقشف. وينبغي أن يظل تحسين حظوظ الفقراء من الأولويات حتى في أوقات العسرة المالية. فذلك هو الصواب.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي