تحديات أمن الطاقة والتوسع استثماريا «2 من 2»
يستغرق بناء وتشغيل منشآت الطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وقتا أطول. حتى إذا أمكن تعزيز إمدادات الطاقة، فستظل القيود اللوجستية قائمة في الشحن والموانئ وسعة التكرير. على سبيل المثال، من غير الممكن أن تستخدم أنابيب الغاز الحالية في أوروبا لنقل الغاز الطبيعي المسال إذا لم تكن محطة طرفية لاستيراد الغاز الطبيعي المسال مرتبطة بها، كما هو الحال في ألمانيا اليوم.
نظرا إلى عدم إمكانية توسيع مصادر الطاقة في إطار زمني قصير، ومع تراجع المخزونات إلى أدنى مستوياتها تاريخيا، لم يعد لدى السوق سوى طريقة واحدة لتحقيق التوازن في الأمد القريب، زيادة الأسعار بشكل حاد، ما يؤدي إلى انخفاض الطلب الكلي. وعلى هذا فإن العالم الجديد الذي يتسم بنقص الطاقة المستمر سيكون متميزا بالركود التضخمي والتقهقر. مع ارتفاع التضخم، يتراجع النشاط الاقتصادي، بسبب عدم كفاية الطاقة اللازمة لتشغيله. وفي غياب إعانات الدعم، قد يصبح الأشخاص من ذوي الدخل المنخفض خارج سوق الطاقة تماما بسبب ارتفاع أسعارها، وهذا من شأنه أن يفضي إلى نشوء شكل خطير من أشكال التفاوت بين الناس.
شهدت أوروبا "بروفة" لهذه الظروف في 2021 عندما خفضت روسيا شحناتها من الغاز الطبيعي. تدخلت الحكومات للتعويض عن ارتفاع تكاليف الطاقة لمصلحة الأسر الأكثر ضعفا، لكن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة أصبحت غير مربحة واضطرت إلى إيقاف الإنتاج أو إبطائه. كانت هذه طريقة "فاعلة" لتقنين الطاقة، لكنها أدت رغم ذلك إلى إبطاء النمو. مع اشتداد النقص في 2022، ظهرت الظروف ذاتها في مختلف أنحاء العالم، ويظل لزاما على أغلب الحكومات أن تبتكر استجابة منسقة في التصدي لها. لا يتمثل التحدي في إنتاج مزيد من الطاقة في الأمد القريب فحسب، بل أيضا في تشييد البنية الأساسية للطاقة.
يفكر عديد من منتجي النفط مليا قبل الدخول في استثمارات جديدة في حقول النفط التي يمتد عمرها التشغيلي عقودا من الزمن. علاوة على ذلك، سينشأ لدى قسم كبير من المنتجين ـ خاصة شركات النفط العملاقة المملوكة للدول التي تعتمد بشكل أقل على التمويل الخاص ـ الحافز لتوسيع القدرة الإنتاجية على الاستجابة للنقص الحالي. مع ارتفاع التضخم بالفعل إلى أعلى مستوياته في 40 عاما، ستكون الشهية السياسية ضئيلة لاتخاذ تدابير بهدف زيادة أسعار الطاقة.
وهنالك استراتيجية في ضمان القيام بمزيد من الاستثمارات الخضراء اليوم. قد يأتي هذا في هيئة إنفاق مالي على البحث والتطوير وصنع الأسواق "أوامر الشراء المسبق" للتكنولوجيات المتقدمة المحتملة، خاصة تلك التي تنطوي حاليا على مخاطر عالية أو المتخلفة بالنسبة إلى القطاع الخاص. علاوة على ذلك، تستطيع الحكومات تقديم إعانات الدعم لتبني مصادر الطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية، والمضخات الحرارية، وإعادة تجهيز المباني من خلال الإعفاءات الضريبية وسياسات المشتريات العامة.
ورغم أن الإنفاق الحكومي من الممكن أن يضيف إلى الضغوط التضخمية "اعتمادا على طريقة تنفيذه والتعويض عنه"، فإنه قد يقلل أيضا من الأسعار والتكاليف التي تتحملها الشركات والأسر التي تستفيد من إعانات الدعم والحوافز الجديدة. ويبدو هذا النهج واعدا بدرجة أكبر في بيئة الركود التضخمي اليوم.
أيا كانت استجابات الحكومات لنقص الطاقة اليوم، فإن القرارات التي ستتخذها ستخلف عواقب كبرى على النمو العالمي، والتضخم، وأسعار الأصول. وستنشأ الحاجة إلى كميات هائلة من الحديد والنحاس والنيكل، وغير ذلك من السلع الأساسية، لبناء شبكات الطاقة المتجددة وزيادة إنتاج المركبات الكهربائية. لكن تأمين المدد الكافي من هذه المعادن سيستغرق أعواما. من عجيب المفارقات هنا أن التصدي لتغير البيئة يفرض على صناع السياسات تبني الآفاق الزمنية الممتدة لعقود، التي يتبناها المنتجون الذين يأملون في إقصائهم.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2022.