التشكيلية رانيا الأطرش: الفن ترياق للقلوب
"ليس هناك أصعب على الفنان من رسم وردة، حيث لا بد له من أن ينسى كل ما رآه من ورد".. وكأن الرسام الفرنسي هنري ماتيس يصف بمقولته الفنانة التشكيلية رانيا الأطرش، التي رسمت الصقر والخيل والإبل بتفاصيلها، فأثارت إعجاب كل من يراها.
بموهبتها، مرت لوحات الأطرش كالعطر، نثرته فعلق في تلابيب القلب والذاكرة، في أرض معرض الصقور والصيد السعودي الدولي الذي يقام هذه الأيام في مقر نادي الصقور السعودي في ملهم شمال مدينة الرياض، ويستقبل الزوار حتى السبت المقبل.
من سن الطفولة بدأت حياتها في الرسم، وتستذكر في حديث لـ"الاقتصادية" أن لوحتها الأولى التي تتذكرها جيدا كانت لطفلة تمشي تحت المطر كانت في الصف الخامس الابتدائي، ومارست الرسم طيلة أعوام وأعوام، وصقلت موهبتها بالدراسة الجامعية، حتى خرجت لنا الموهبة المعروفة بـ"رانيا الأطرش".
أقرب صديق
للتشكيلية اللبنانية طقوس خاصة في الرسم، حيث تحب أن ترسم بالرصاص والفحم والأكريلك، وطقوسها "الفوضوية" كما تصفها هي محفز إضافي لمواصلة الهواية، فهي تحب مواصلة الرسم لساعات دون أن تترك اللوحة، فيما يلعب العامل النفسي دورا استثنائيا.
إذ تقول، "أنا أحب خلط الألوان بنفسي، بخلاف بعض الفنانين الذين يعمدون إلى الألوان الجاهزة، لكنني أستخدم خمسة ألوان فقط، وهي الألوان الرئيسة الأسود والأبيض والأحمر والأصفر والأزرق، ومنها أنتج ألوانا جديدة بدرجات مختلفة قد لا توفرها الألوان الصناعية الجاهزة، في جو يتسم بالهدوء والراحة النفسية، وفي بعض الأحيان يمكن للفنان أن يقرأ ما أشعر به من خلال لوحاتي، فالألوان الغامقة قد تدل على ذهن وعقل غير صاف، بخلاف الألوان المبهجة التي تدل على سعادة راسمها".
تصف الأطرش الرسم بأنه "أقرب صديق"، وهي من الفنانين الذين يطلقون أسماء على لوحاتها، وقالت إنها خلال فترة حظر الخروج من المنازل في ذروة جائحة كورونا كانت تلجأ للرسم كثيرا، وقد اصطحبت معها لوحات رسمتها في ذلك الوقت إلى معرض الصقور والصيد السعودي الدولي، الذي أتاح لها عرض وبيع أعمالها بحضور الجمهور السعودي في منطقة الفنون، وذلك طيلة عشرة أيام، تنتهي السبت المقبل.
التغذية البصرية
لا تحبذ الأطرش أن تحصر نفسها في مدرسة فنية محددة، واقعية أو تجريدية، وكلما وجدت ورشا تعليمية وتدريبية في فنون ومهارات فنية متنوعة وإبداعية سجلت فيها، إشباعا لشغفها الفني، ما يساعدها على اتباع أساليب وتقنيات جديدة في أعمالها.
من أين يستقي الفنان أعماله الفنية، كان سؤال "الاقتصادية" الذي أبحرت فيه رانيا الأطرش، وتحدثت عن التغذية البصرية كأحد أهم العوامل التي تساعدها على إيجاد الفكرة واللوحة الجديدة، فهي تزور معارض فنية، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو على أرض الواقع، وتستلهم مما رأته أعمالا وإبداعات تنقشها على اللوحة، كما لا تبخل رانيا على صديقاتها وزملاء الفن بالنصيحة الثمينة في سبيل التحسين والتطوير وتجويد العمل الفني، لكن ذلك لا يمنع وجود "لصوص الأفكار" الذين يسرقون الفكرة الفنية ويقلدونها بحذافيرها، لافتة إلى أنها تعرضت وصديقة لها لمواقف مشابهة.
الأطرش تعتقد أن الفنان العربي لا يستطيع أن يعيش من نتاج أعماله إلا في حالات نادرة، حيث تشترط ألا يكتفي ببيع لوحاته، بل أن يسهم في تنفيذ دورات وورش عمل تدريبية، فالتفرغ للفن قرار جريء، قد يضطر الفنان حينها إلى أن يمارس أكثر من حالة إبداعية في وقت واحد، مثل الرسم أو النحت أو تقديم الدروس الفنية للآخرين.
في أعوام سابقة كان التفرغ للفن ممكنا، إلا أن الثورة التقنية أفرزت ما يسمى "الفن الرقمي"، على حد تعبيرها، وأسهمت أزمة جائحة كورونا التي ألمت بالعالم في ترسيخها، وأصبح اقتناء لوحة تشكيلية أصعب وأغلى من شراء صورة استعان صاحبها بالتقنية لتحويلها إلى لوحة.
التقدير والمنافسة الشرشة
بعفويتها المعهودة، تقول رانيا الأطرش إن الفن التشكيلي العربي يواجه إشكاليات وتحديات، لعل من أبرزها عدم تقدير العمل الفني، الذي ينحصر أحيانا في الدائرة المقربة أو الأساتذة الجامعيين، مستدركة أنها لمست تقديرا للفن واسعا خلال الأعوام القليلة الماضية في دول الخليج العربي، ولا سيما في المملكة، والإمارات التي تعيش فيها ومنحتها الإقامة الذهبية لموهبتها.
وفي حديثها عن الحركة التشكيلية العربية، ترى الفنانة أن هناك منافسة شرسة وكبيرة بين الفنانين في كل مجالاته، خصوصا الرسم التجريدي والخط العربي، بفضل نمو الوعي بهذه الفنون وأهميتها.
وحول حركة النقد، قالت "أتقبل النقد الفني، بعض التعليقات بالفعل تتضمن وجهة نظر صحيحة ونقدا بناء تجعل الفنان يصحح من مساره أو أخطائه، ولا يزعجني النقد الفني عامة".
ويشكل معرض الصقور والصيد السعودي الدولي أولى مشاركات رانيا الأطرش خارج الإمارات، لمست فيها اهتماما وتقديرا لأعمالها في المعرض، سواء من الصقارين، أو الهواة والزوار، وعبرت عن سعادتها بوجودها إلى جانب فنانين كبار - فنا وقدرا - من شتى أرجاء العالم العربي.
وحول متابعتها للفن السعودي، كشفت أنها فوجئت بالأعمال التي شاهدتها لهم وتنتمي إلى مدارس مختلفة، كل فنان له أسلوبه الخاص، وذكرت أنها تتابع أعمال كثيرين منهم، مثل الفنان أيمن حافظ من المدينة المنورة، الذي يمزج الفن التجريدي مع الخط العربي، وله مجسمات إبداعية في المدينة.
كن كريما مع رسمك
ترى الفنانة التشكيلية اللبنانية أن الإعلام يلعب دوره الكبير في الترويج للفنانين وأعمالهم، وتصنفه بأنه العامل الأهم والأول الذي يرفع من شهرة الفنان، ويرفع تاليا من أسعار لوحاته، وعددت عوامل عدة تدخل في سعر اللوحة، مثل شهرة الفنان، وجوده على منصات التواصل الاجتماعي، جوائزه، شهاداته العلمية في بعض الأحيان، وتوزيع العناصر على لوحاته، كلها عوامل تسهم في آلية تسعير اللوحة كما ترى الفنانة، دون أن نغفل أسعار المواد المستخدمة التي تشهد بدورها ارتفاعا، وتستشهد الأطرش بالمثل "كلما كنت كريما في الرسم، أعطاك نتيجة أفضل".
وحول أسعار اللوحات، تعتقد الأطرش أن لوحات الفنانين العرب أسعارها مقبولة مقارنة بأسعار بعض الفنانين في أوروبا مثلا، رغم أن الفنان العربي قد يتفوق في لوحة ما على لوحة نظيره الغربي، معنى وأسلوبا وطريقة رسم، لتختم الحديث بقولها "اللوحة هي قطعة من روحي، وفي كل الأحوال المادة لا تهم بقدر المعنى، وأدعو كل من اقتنى لوحة من أعمالي أن يحافظ عليها، فهي تعني لي كثيرا".
وبالحديث عن الجوائز والمسابقات، أكدت أن الجوائز ترفع معنويات الفنان، وتعطيه حافزا للاستمرارية ومواصلة مسيرته الفنية، وترفع من أسعار أعماله الفنية.
أسلوب حياة
يلمس المتأمل في لوحات رانيا الأطرش تفاؤلا وبهجة، يمكن أن يقرآ في تفاصيلها، وربما يعود ذلك إلى شخصيتها المحبة للحياة، التي تتمسك بالمقولة "الحياة قصيرة، الفن طويل"، ولنا في الفنانين الذين رحلوا وبقيت أعمالهم خالدة وفي ذاكرة الملايين مثال ودليل.
وفي حديثها، تصنف رانيا الأطرش الفن التشكيلي بأنه أقوى تأثيرا من الدراما، فتأمل اللوحات مثلا له قدرة استشفائية، والأطباء النفسيون يعالجون بممارسة الرسم والخط، فقد يكون الفن علاجا وترياقا للقلوب، كما ترى الفنانة، وكشفت أنها تلقت عرضا لتقديم دروس فنية لنزيلات أحد السجون، في دلالة على عمق تأثير الفن في سلوك وتفكير الآخرين، الذي يوظف حواس الإنسان كلها، ويدخل السرور على القلوب.