القطاع العام ومساهمته في تحفيز التمويل الخاص «1 من 2»

اقتسام المخاطر بين القطاعين العام والخاص من شأنه توجيه نسبة أكبر من الأصول المالية العالمية إلى المشاريع المناخية. يمثل تغير المناخ أحد التحديات الأكثر أهمية التي تواجه أعضاء الصندوق في العقود المقبلة على صعيد السياسات الاقتصادية الكلية والمالية. وتؤكد الارتفاعات الحادة التي شهدتها تكلفة الطاقة والغذاء أخيرا ـ وما نجم عنها من مخاطر القلاقل الاجتماعية ـ أهمية الاستثمار في الطاقة الخضراء وتعزيز الصلابة في مواجهة الصدمات.
وسيتطلب هذا التحدي استثمارات عالمية هائلة لمعالجة التغير ومواطن التعرض للصدمات. وتراوح التقديرات في هذا الصدد بين ثلاثة وستة تريليونات دولار سنويا حتى 2050. ولا يعدو المستوى الحالي البالغ نحو 630 مليار دولار أن يكون نسبة ضئيلة وحسب من الاحتياجات الحقيقية ـ ولا تحصل منه الدول النامية إلا على أقل القليل.
ولذلك نحتاج إلى تحول كبير نحو تسخير التمويل العام، والتمويل الخاص بشكل أساس. فالأصول المالية لدى الشركات تبلغ 210 تريليونات دولار، أو نحو ضعف إجمالي الناتج المحلي في العالم كله، والتحدي الذي يواجه صناع السياسات والمستثمرون هو كيفية توجيه نسبة كبيرة من هذه الحيازات نحو المشاريع الرامية إلى تخفيف آثار تغير المناخ والتكيف معه.
وهذا هو محور تركيز مذكرة خبراء صندوق النقد الدولي حديثا التي تتناول تعبئة التمويل الخاص للعمل في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. وتبحث المذكرة العوامل التي تحد من التمويل الموجه للعمل البيئي، وما يمكن لصناع السياسات القيام به لمعالجتها. ما الذي يمنع تدفق الأموال بأحجام أكبر نحو المشاريع المناخية خارج الاقتصادات المتقدمة؟
الحوافز هي لب المشكلة. فالمستثمرون لديهم كثير من الخيارات البديلة المحققة للعائد. وفي الوقت الراهن، يبدو ببساطة أن المشاريع الخضراء في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية لا تبرر المخاطر التي تنطوي عليها.
فعلى سبيل المثال، في الأغلب ما تأتي استثمارات التخفيف والتكيف مصحوبة بتكاليف مبدئية عالية، وتحديات فنية متعددة، وأفق زمني طويل، ونماذج عمل غير مثبتة. أضف إلى ذلك ضعف البيانات، والمخاطر المصاحبة لتقلبات العملة، والأوضاع الاقتصادية الكلية، وبيئة الأعمال التي يتعذر التنبؤ بها، واحتمال الاضطراب السياسي المتصور.
ونتيجة لذلك، لا يمكن لكثير من فرص الاستثمار التي تؤمن التمويل الكافي، وتلك التي تفعل ذلك، من المرجح أن تجذب مجموعة صغيرة من المستثمرين المتخصصين الذين يطالبون بعائد مرتفع في فئة أصول لا تزال في طور النمو وتفتقر إلى السيولة نسبيا، مع استخدام الدين كأداة أساسية.
ويصدق هذا بالتحديد على شركات الطاقة المتجددة، التي تعمل في أسواق غير سائلة وتحتاج إلى تمويل طويل الأجل. فعلى سبيل المثال، هناك أدلة على أن كبار المستثمرين يستبعدون الشركات التي يقل رأسمالها السوقي عن 200 مليون دولار، وهو حد لا يتعداه إلا القليل من شركات الطاقة المتجددة. والمكافأة التي تتوقعها السوق مقابل امتلاك الأصل وتحمل مخاطر الملكية، وهو ما يسمى تكلفة المساهمة في رأس المال، في الاستثمارات التي يقوم بها المستثمرون الذين يوجهون أموالهم لمشاريع ذات أثر اجتماعي تراوح بين 12 و15 في المائة في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية الواعدة. ويشير هذا إلى إمكانية أن يتجاوز العائد المتوقع هذا المستوى في حالة المستثمرين التجاريين.
وعن إطلاق تمويل القطاع الخاص والعقبات التي قد يواجهها، فهي ليست مستعصية على الحل. غير أن معالجتها ـ لتغيير حوافز المستثمرين المحليين والأجانب ـ ستتطلب عملا منسقا ودؤوبا على مستوى القطاعين العام والخاص.
ويتباين دور التمويل من القطاعين العام والخاص عبر الدول تبعا للخصائص المميزة لكل بلد والسياق الاقتصادي والمؤسسي المحلي. ومن المفيد مزج التمويل الخاص بالعام لتخفيف مخاطر هذه الاستثمارات على رأس المال الخاص عموما، وذلك، على سبيل المثال، من خلال تعويض الخسارة الأولى للاستثمارات أو تقديم ضمانات للأداء.
فعلى سبيل المثال، يمكن للقطاع العام أن يستثمر في حصص الملكية ـ ما يجلب مخاطر أعلى، إذا فقد الأصل الأساس قيمته ـ أو يقدم تعزيزات ائتمانية لتحسين الجدارة الائتمانية للمشاريع. وفي كلتا الحالتين، تنخفض تكلفة الاستثمار عن طريق تخفيض المخاطر على القطاع الخاص. ومن خلال المساهمة في حصص ملكية مشاريع الاستثمار، يتحمل القطاع العام قدرا كبيرا من مخاطر الاستثمار، لكنه يحقق نفعا كبيرا أيضا عند نجاح هذه المشاريع... يتبع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي