الاستثمار في اللاجئين بشريا «1 من 3»
إن المهاجرين الأوكرانيين يمكن أن يصبحوا مكسبا في مقارهم الجديدة، لا عبئا عليها ويمكن أن يشكلوا رأس مال بشريا غير متوقع في الدول المضيفة لهم، مثل: بولندا ورومانيا ومولدوفا وهنغاريا. ويشير كذلك إلى أن الحرب تستنزف رأس المال البشري في روسيا بشكل كبير. إن الـ15 عاما التي درس خلالها علم اقتصاد الهجرة والمهاجرين علمته أن "هؤلاء الناس يشكلون مكاسب هائلة على المستوى الشخصي ومن المنظور الاقتصادي على حد سواء". حتى هذه اللحظة، فر من الحرب في أوكرانيا ما يزيد على 4.5 مليون نسمة. والسؤال: هل في استطاعة الدول المجاورة أن تتحمل استضافة كل هؤلاء؟
من المؤكد أن قدرة الدول في أوروبا على التعامل مع هذا النوع من الحالات الطارئة ستكون موضع اختبار. فبولندا ورومانيا ومولدوفا وهنغاريا - وهي الدول الأقرب - تستقبل حاليا ثلاثة ملايين على الأقل من مجموع 4.5 مليون لاجئ، وربما كانت تواجه ضغوطا. ومن المحتمل أن تترتب على ذلك تكلفة على المدى القصير. ونلاحظ أن بعض تدفقات الهجر كانت على الأقل في أوروبا في الماضي مدفوعة بأسباب اقتصادية. فما مدى التشابه بينها وبين هؤلاء اللاجئين الأوكرانيين؟
عادة ما يغادر اللاجئ وطنه وهو في خضم وضع طارئ ودون تخطيط يذكر. في البداية، يحتاج اللاجئون إلى أماكن للإقامة لم يخططوا لها، وستكون لديهم احتياجات أساسية عادة ما يكون المهاجرون لأسباب اقتصادية قد خططوا لها وغطوها مسبقا. والفرق الثاني المهم هو أنهم يكونون خارجين من صدمة يمكن أن تؤثر في صحتهم الجسدية والعقلية على المدى القصير. أما الثالث فهو وجود قدر هائل من عدم اليقين. فهم لا يعلمون إلى متى ستستمر الحرب. ولا يعرفون مقصدهم الأخير. وأخيرا، فإن اللاجئين يتدفقون فجأة وبأعداد كبيرة نسبيا.
وتناولت في كثير من أعمالي المحركات الاقتصادية للهجرة. وأحد العوامل الكبيرة هي الأجور. وحدث ذلك في أوكرانيا بشكل كبير قبل الحرب، ومن المؤكد أن أعداد المهاجرين من أوكرانيا كانت كبيرة. وفي أوروبا، توجد أكبر أعداد المهاجرين الأوكرانيين في بولندا ثم في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا. ففي بولندا، نحن نتحدث عن أكثر من مليون مهاجر أوكراني. ووصلت أعدادهم في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا إلى مئات الآلاف. وهناك بالفعل شتات كبير من الأوكرانيين في كندا والولايات المتحدة، يزيد عددهم على مليون مهاجر.
وتهاجر النساء الأوكرانيات بأعداد كبيرة للغاية إلى إيطاليا وفرنسا بصفة خاصة، وبصورة جزئية إلى ألمانيا، فتصل نسبتهن في بعض الأحيان إلى 70 في المائة. وعملن بشكل كبير في مجال الضيافة، وكمساعدات لكبار السن والمعاقين، وفي قطاعات الخدمات الشخصية التي توظف عددا كبيرا من النساء.
والسؤال هنا: هل تقدم الدول المضيفة مجرد مأوى لهم بينما لا تزال الحرب مشتعلة؟ أم تساعد المهاجرين على الاندماج؟ فمن الأشياء الملحوظة في هذه الأزمة التحرك الحاسم والمنسق للغاية من جانب الاتحاد الأوروبي. وبطبيعة الحال، سيتعين على بعض هذه الدول التعامل مع حاجة المهاجرين إلى المأوى والمساعدات الأولية على المدى الأقصر. لكن سرعان ما سمح للاجئين الأوكرانيين بحرية الحركة في الاتحاد الأوروبي للحصول على فرص عمل، وهي خطوة بعيدة كل البعد عن المألوف، كما تتاح لأبنائهم إمكانية الالتحاق بالمدارس. ومن المؤكد أن هذا المنهج يواجه الحالات الطارئة على المدى القصير، لكنه كذلك يتعلم من الماضي ويدرك أهمية إدماج اللاجئين من منظور اقتصادي. وهذا الأمر يحول اللاجئين من تكلفة إلى استثمار، ثم إلى مكسب... يتبع.