رسائل متضاربة تشوش مسار أكبر اقتصاد في العالم

رسائل متضاربة تشوش مسار أكبر اقتصاد في العالم

ترسل البيانات الاقتصادية في الولايات المتحدة رسائل متضاربة، ما يعقد الإجابة عن سؤال يبدو بسيطا: هل أكبر اقتصاد في العالم في حالة ركود؟
الأرقام الصادرة عن وزارة التجارة الخميس الماضي، التي أظهرت انخفاضا في الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني على التوالي، عمقت ما تحول إلى جدل مشحون سياسيا.
جاءت الأخبار عن التراجع الثاني على التوالي - وهو مؤشر عام على الركود - في أعقاب إشارات تدل على أن النشاط التجاري في جميع أنحاء البلاد قد بدأ بالتباطؤ. سوق الإسكان في الولايات المتحدة تتأرجح ويشعر المستهلكون بالتشاؤم بشكل متزايد، بينما يكثف الاحتياطي الفيدرالي جهوده من أجل كبح أعلى معدل للتضخم منذ أكثر من أربعة عقود، من خلال الزيادات الكبيرة في أسعار الفائدة.
المحكمون الرسميون لم يصدروا حكمهم الرسمي بعد حول ما إذا كانت الولايات المتحدة في حالة ركود أم لا - وهم مجموعة من الاقتصاديين تابعين للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية.
لكن صناع السياسة في البيت الأبيض أصدروا حكمهم بالفعل.
قبل صدور التقرير يوم الخميس، قالت جانيت يلين وزيرة الخزانة، إنها ستندهش إذا أعلن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية أن ما يجري حاليا هو ركود. وأكدت على وجهة نظرها تلك خلال مؤتمر صحافي تم عقده بعد إصدار البيانات، مشيرة إلى أن الخسائر الكبيرة في الوظائف وإغلاق الأعمال والميزانيات المجهدة التي عادة ما تصاحب الركود "ليست هي ما نشهده الآن".
هذا ما فعله الاحتياطي الفيدرالي أيضا. حذر جاي باول، رئيس البنك المركزي، الأربعاء، من أن أرقام الناتج المحلي الإجمالي يتم مراجعتها عدة مرات، وأن المرة الأولى يجب أن ينظر إليها "بتشكك".
لكن الجمهوريون استغلوا بيانات الخميس، ووصفوها على الفور بأنها "ركود جو بايدن".
الذين تبنوا فكرة أن الولايات المتحدة في ركود يشيرون إلى حقيقة أنه عندما كانت تحدث انكماشات متتالية في الناتج المحلي الإجمالي في الماضي، كان المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية يسميها ركودا - في أغلب الأحيان.
قال ديفيد روزنبرج، كبير الاقتصاديين ورئيس شركة روزنبرج للأبحاث: "إن التعريف الرسمي للركود ليس أرباعا متتالية من ناتج محلي إجمالي حقيقي سلبي. لكن في كل مرة حدث الشيء نفسه في فترة ما بعد الحرب، صادف دخول الاقتصاد في حالة ركود".
يتفق معظم الاقتصاديين في البيت الأبيض مع وجهة نظر الاحتياطي الفيدرالي بأن الولايات المتحدة ليست في ركود بعد، لكن ثقتهم بقدرة الاقتصاد على تجنب هذه النتيجة في وقت لاحق قد تراجعت بشكل ملحوظ.
قالت بليرينا أوروتشي، الخبيرة الاقتصادية الأمريكية في شركة تي رو برايس: "استنادا إلى بيانات الناتج المحلي الإجمالي فقط، لا يمكننا أن نستنتج أننا في حالة ركود في الوقت الحالي. يمكن أن تكون مقدمة لركود، ويجب أن نحذر من استبعاد أي شيء في الوقت الحالي، لأن هناك كثيرا من عدم اليقين".
يصف المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الركود بأنه "انخفاض كبير في النشاط الاقتصادي ينتشر في الاقتصاد ويستمر لأكثر من بضعة أشهر".
تعقد اللجنة التابعة للمكتب، والتي تضم ثمانية خبراء اقتصاديين، اجتماعات مغلقة لتتخذ القرار، وعادة ما يحدث ذلك لفترة تمتد لعدة أشهر أو عام. يستند الحكم إلى مقاييس تشمل النمو الشهري للوظائف، وإنفاق المستهلكين على السلع والخدمات، والإنتاج الصناعي.
يقول المسؤولون في الاحتياطي الفيدرالي والبيت الأبيض، إنه بالاعتماد على هذه المعايير، فإن الخلفية الاقتصادية الحالية، وبشكل لا لبس فيه، لم تصل إلى هذه العتبة.
في الشهر الماضي، أضاف الاقتصاد 372 ألف وظيفة، بينما استقر معدل البطالة عند مستوى تاريخي منخفض عند 3.6 في المائة. لكل شخص عاطل عن العمل، توجد وظيفتان شاغرتان تقريبا، ما يجعلها واحدة من أضيق أسواق العمل في التاريخ الحديث.
قالت أنيتا ماركوسكا، كبيرة الاقتصاديين الماليين في جيفريز: "لم نشهد أبدا ركودا دون تسريح للعمال، ولا أعتقد أننا اقتربنا من دورة كاملة من تسريح العمال. ليس هناك دليل على ذلك".
يشير الاقتصاديون إلى قاعدة سام. وهي قاعدة طورتها كلوديا سام، موظفة الاحتياطي الفيدرالي سابقا، التي تنص على أن الركود يتجذر عندما يرتفع المتوسط المتحرك لثلاثة أشهر لمعدل البطالة نصف نقطة مئوية على الأقل فوق أدنى مستوى له خلال فترة الـ12 شهرا السابقة. بهذا المقياس، يجب أن يكون معدل البطالة قد تجاوز 4 في المائة حتى يمكن القول إن الولايات المتحدة في ركود.
مع ذلك، تضمنت بيانات الناتج المحلي الإجمالي إشارات ضعف تتجاوز الرقم الرئيس الذي يشير إلى إنفاق استهلاكي أقل انتعاشا واستثمارات ضعيفة. بالغ الاقتصاديون في سيتي جروب بقولهم إن منتصف 2022 قد يشهد ذروة في النشاط.
أضاف جوناثان ميلر، الاقتصادي السابق في الاحتياطي الفيدرالي، الذي يعمل الآن في باركليز: "هذا التباطؤ في الإنفاق واسع النطاق بشكل كبير". وبينما يقاوم فكرة أن الاقتصاد الأمريكي سينزلق قريبا نحو الركود، قال إن "الاحتمال قوي للغاية" بحدوث ذلك في العام المقبل، و"يعتمد مستقبلا على رؤيتنا لمدى مرونة قطاع الخدمات".
من المتوقع أن يمضي البنك المركزي الأمريكي قدما في خططه لتشديد السياسة النقدية حتى مع تباطؤ الاقتصاد، بعد رفع أسعار الفائدة بمقدار 0.75 نقطة أساس أخرى الأسبوع الماضي في اجتماعه الثاني على التوالي. أشار باول إلى زيادات أخرى قادمة، ويتوقع المشاركون في السوق أن يرتفع سعر الفائدة الأساسي إلى نحو 3.5 في المائة بحلول نهاية العام، أي أعلى بنقطة مئوية كاملة من المستوى المسجل حاليا.
أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي أن زيادات أسعار الفائدة يمكن أن تؤدي إلى انخفاض التضخم دون التسبب في خسائر فادحة في الوظائف أو تراجع حاد، لكنه أقر مرة أخرى هذا الأسبوع بأن الطريق إلى تحقيق هذه النتيجة "قد ضاق بوضوح، وقد يضيق أكثر".
كما أكد أن البنك المركزي لا يزال يركز بصرامة على كبح جماح التضخم المرتفع، وأن فشله في فعل ذلك سيؤدي إلى نتيجة أسوأ من تقييد الاقتصاد بشكل مفرط - ما يزيد المخاوف من حدوث ركود في النهاية.
قال أندرو باترسون، كبير الاقتصاديين الدوليين في شركة فانجارد: "هذا ما يحدث في بيئة يحاول فيها الاحتياطي الفيدرالي أن تكون سياسته مقيدة. سترى أولا تحولات نحو الأسوأ في الناتج وزيادة محتملة في البطالة في محاولة خفض التضخم".

الأكثر قراءة