«كريدي سويس» يلجأ إلى أولريش كورنر لانتشاله من وحل الفضائح
قام مديرو مصرف كريدي سويس الشهر الماضي برحلة شاقة في جبال الألب السويسرية لحضور تجمعهم السنوي الخارجي في منتجع في مدينة باد راجاز، المشهورة بمياهها العلاجية.
بعد أعوام قليلة مؤلمة كان المصرف فيها يترنح من أزمة إلى أخرى، قرر الرئيس أكسل ليمان ومجلس الإدارة أخيرا بشأن خطة تحول.
كان السؤال الوحيد المتبقي هو، من الذي سيقود هذا التغيير؟. خلصوا إلى أن توماس جوتشتاين، الرئيس التنفيذي، الذي كان يعاني مشكلات صحية، لم يعد الرجل المناسب لهذا المنصب.
تم تسوية ذلك الأسبوع الماضي بترقية أولريش كورنر، المدير التنفيذي السابق في مصرف يو بي إس، الذي انضم العام الماضي لإدارة الأصول، كما قال أشخاص مطلعون على الأمر لـ"فاينانشيال تايمز". تفوق على منافسين داخليين، وهم كريستيان ميسنر، رئيس المصرف الاستثماري وفرانشيسكو دي فيراري، رئيس إدارة الثروات.
تم اختيار كورنر بسبب سمعته في خفض التكاليف بنزاهة والتنفيذ العملي، كما قال الأشخاص، وهي أمور ضرورية لمصرف خرج عن نطاق السيطرة، وغير قادر على وقف تدفق الفضائح مع انخفاض أسهمه إلى أدنى مستوى منذ ثلاثة عقود.
يقول أشخاص مقربون من الرئيس التنفيذي السويسري البالغ من العمر 59 عاما: إنه حصل على لقب "أولي السكين" خلال 11 عاما قضاها في "يو بي إس"، حيث ساعد على استعادة النظام في أعقاب فضيحة تداول مارقة أدت إلى خسائر بلغت ملياري دولار وإقالة الرئيس التنفيذي.
قال أحد الأشخاص المطلعين على الأمر: إن كورنر كاد سيحصل على المنصب الأعلى في مصرف "يو بي إس" مقابل سيرجيو إرموتي قبل عقد من الزمان. عندما يتسلم مهامه في "كريدي سويس" اليوم، ستتاح له الفرصة لإحياء مصرف سويسري متعثر آخر. قال أحد زملائه السابقين في "يو بي إس": "من الواضح أن عمله لم ينته بعد".
مهمته شاقة. خلال فترة عمل جوتشتاين التي استمرت عامين، تراجعت أسهم مصرف كريدي سويس 60 في المائة وكان المصرف تطارده الفضائح القديمة والجديدة.
خسر 5.5 مليار دولار من انهيار شركة آرشيجوس العائلية، ولا يزال يحاول استرداد 2.7 مليار دولار من أموال العملاء بعد فشل "جرينسيل كابيتال"، وتم تغريمه لدوره في فضيحة "سندات التونة" في موزمبيق بقيمة ملياري دولار وأصبح أول مصرف سويسري تتم أدانته بارتكاب جريمة مؤسسية بعد أن تبين أنه قام بغسل أموال لعصابة كوكايين بلغارية يديرها مصارع محترف سابق.
كان الأداء المالي كئيبا بالقدر نفسه. بعد أن تكبد خسائر بقيمة ملياري فرنك سويسري (2.1 مليار دولار) في الربع الأخير من العام الماضي، خسر 1.9 مليار فرنك سويسري أخرى هذا العام. أصدر تحذيرات بشأن الأرباح في ست من الفترات السبع الماضية.
رحيل جوتشتاين يعني أن جميع أعضاء المجلس التنفيذي المكون من عشرة أعضاء، باستثناء عضو واحد والذي تم تعيينه في بداية 2020 قد رحلوا، أو سيفعلون ذلك قريبا.
قال أندرو كومبس محلل في "سيتي جروب": "بينما ورث جوتشتاين عددا من المشكلات، فإن الطريقة التي تفاعلت بها الشركة مع هذه المشكلات والاستراتيجية اللاحقة التي تم تبنيها قد تركت المصرف في وضع أضعف مع تضاؤل كبير في الامتياز عبر جميع الأقسام، خاصة المصرف الاستثماري".
يتصدر قائمة مهام كورنر المطولة عملية وحشية لخفض التكاليف ستؤدي إلى تقليص حجم المصرف الاستثماري إلى حد كبير واستبعاد ما يصل إلى 20 في المائة من الإنفاق السنوي للمصرف ليصل إلى أقل من 15.5 مليار فرنك سويسري.
المساهمون والقوة العاملة العالمية في "كريدي سويس" البالغ عددهم 45 ألف شخصا سيراقبون بقلق لمعرفة ما إذا كان "كورنر" و"ليمان" - اللذان عملا معا في "يو بي إس" - سيكونان قادرين على وقف تراجع بطل وطني تسلم الراية من "دويتشه بنك" باعتباره المقرض الأكثر عرضة للفضائح في العالم.
قال أشخاص مطلعون على الاستراتيجية الجديدة، التي سيتم الكشف عنها بمزيد من التفصيل في تشرين الأول (أكتوبر)، إن هناك تركيزا آخر على تقليص حجم الأقسام التكنولوجية والتشغيلية التي تتسم بالتضخم وانعدام الفاعلية.
تم الإعلان عن التغيير في القيادة في الوقت نفسه الذي أعلن فيه المصرف عن خسارة الربع الثالث على التوالي. كانت الخسارة البالغة 1.6 مليار فرنك سويسري على مستوى المجموعة أسوأ بكثير مما توقعه المحللون بأن تبلغ 206 ملايين فرنك سويسري، مدفوعة بضربة 1.2 مليار فرنك من مصرف كريدي سويس الاستثماري، مصدر كثير من مشكلاته الأخيرة.
تهدف أحدث مراجعة استراتيجية لمصرف كريدي سويس - وهي الثانية في أقل من عام - إلى تقليص حجم المصرف الاستثماري للتركيز على العمل الاستشاري الخفيف لرأس المال لدعم خطوط الأعمال الثلاثة الأخرى للمجموعة: إدارة الثروات، وإدارة الأصول، والمصرف السويسري المحلي.
تتم صياغة الخطة بدعم من المستشارين في "سنترفيو بارتنرز"، الذين عينتهم القيادة السابقة للمصرف لوضع استراتيجية أكثر استدامة.
هذه الخطوة تخاطر بعزل المصرفيين الاستثماريين. ذكرت "فاينانشيال تايمز" الثلاثاء أن مايسنر، رئيس القسم، يخطط للتنحي بعد فترة مؤقتة، على الرغم من انضمامه منذ أكثر من عام بقليل.
قال كورنر وليمان: إنهما يفكران في التخلص من أعمال المصرف من المنتجات المضمونة أو بيعها، التي كانت في السابق واحدة من أكثرها ربحية. لكن المحللين حذروا من اختفاء الإيرادات بسرعة مع إغلاق وحدات التداول، بينما تستمر التكاليف لفترة أطول.
قال كومبس من "سيتي جروب": " تكاليف خروج هذه الأعمال، التي لديها أصول مرجحة بالمخاطر تبلغ 20 مليار دولار و75 مليار دولار من التعرض للرافعة المالية. نتوقع أن تكون كبيرة". البحث عن رأس مال طرف ثالث "من المفترض أن يقلل من حجم تكاليف الخروج وإعادة الهيكلة، لكننا نتساءل عمن سيتدخل وكيف ستعمل هذه العلاقة".
لطالما طالب مستثمرو "كريدي سويس" المجموعة بالانسحاب من الخدمات المصرفية الاستثمارية، قائلين إن عوائدها لا تبرر تكاليف إدارة الأعمال أو الفضائح المتكررة.
قال ديفيد هيرو، نائب رئيس شركة هاريس أسوشيتس الأمريكية لإدارة الأصول، أكبر مساهم في المصرف: "شجعنا اتخاذ الإدارة خطوات لتحقيق القيمة المتأصلة في مصرف كريدي سويس من خلال تحسين نقاط قوتها والتخلص من نقاط ضعفها".
قال فينسينت كوفمان، الرئيس التنفيذي لمؤسسة إيثوس، التي تمثل المساهمين الذين يمتلكون نحو 5 في المائة من أسهم مصرف كريدي سويس، إن تقليص حجم المصرف الاستثماري أمر طال انتظاره ويحاكي التحول الناجح لمصرف يو بي إس إلى إدارة الثروات قبل عقد من الزمن. قال: "إن وجود اثنين من المديرين التنفيذيين السابقين في يو بي إس لإدارة كريدي سويس الآن هو اعتراف بأن يو بي إس قد حقق التحول الصحيح قبل عشرة أعوام. يمكنهم تغيير الاستراتيجية والقيادة، لكن التغيير الحقيقي يجب أن يكون في الثقافة. إنهم بحاجة إلى إثبات أنها ناجحة".
مع ذلك، قدم مساهم آخر من أكبر عشرة مساهمين تقييما أقل تفاؤلا. قال: "وجهة نظري هي أن الشركة فقدت توازنها وليس لديها قيادة فاعلة. توقعي أن يتم بيع المصرف. لن ينجح هذا وستفرض الجهة التنظيمية عقد صفقة".
يظن البعض أن مشكلات مصرف كريدي سويس تعود إلى عقود منذ محاولته اقتحام وول ستريت من خلال بناء حصة في مصرف فيرست بوسطن، والسيطرة في الأغلبية في 1988 والتفرع من جذوره المصرفية السويسرية الخاصة. تم إدارته آنذاك من قبل مجموعة من المصرفيين الاستثماريين الأمريكيين بمن فيهم جون ماك وبرادي دوجان.
قال أحد مديري الثروات المخضرمين: "قبل 20 عاما فقدنا روحنا. أردنا أن نلعب دورا في اتخاذ الإجراء التالي الأفضل، هكذا رأينا الخدمات المصرفية الاستثمارية. لم يقتصر الأمر على شراء مصرف استثماري فحسب، بل من هم الرؤساء التنفيذيون التاليين؟ لقد جاءوا جميعا من هناك - ماذا يعرفون عن الخدمات المصرفية الخاصة؟ لن تنتج أشجار الموز الكرز".
أضاف: "نحن بحاجة إلى العودة لجوهر أعمالنا الأساسية واستعادة روحنا". مع ذلك، ليس هناك "مجال للمناورة الاستراتيجية اليوم مع مركز رأس المال، ومزيج الأعمال، وقضايا سوء الإدارة الموروثة، والمخصصات، وفقدان رأس المال البشري الهائل".
في 2015، سعى المصرف إلى اتجاه جديد، حيث عين تيجاني تيام رئيسا تنفيذيا لأعمال التأمين. بعد بداية واعدة حيث شرع في التخلص من مخاطر المصرف الاستثماري وتحويل التركيز الاستراتيجي إلى إدارة الثروات في آسيا، أصبح غارقا في فضيحة تجسس للشركات قوضت تحوله وكلفته وظيفته في النهاية.
ثم عين "كريدي سويس" الرئيس التنفيذي السابق لويدز أنطونيو هورتا أوسوريو لبداية جديدة. لكنه استمر أقل من عام بصفته رئيسا، واستقال في كانون الثاني (يناير) بعد أن فقد ثقة مجلس إدارته عندما تبين أنه انتهك قواعد الحجر الصحي لكوفيد -19 لحضور الأحداث الرياضية مع عائلته واستخدم طائرات خاصة تمولها الشركة في رحلات شخصية.
على الصعيد الداخلي، يأمل كثيرون في زيورخ أن يضع كورنر الواعي نهاية لمثل هذه الفضائح الفظيعة وأن يعالج نهجا شامخا لإدارة مخاطر كان يميز ماضيها القريب.
قال أحد مسؤولي الامتثال في "كريدي سويس": "لطالما كان المصرف أصغر من أن ينافس وول ستريت، لذا فقد تحملنا مخاطر كبيرة للغاية"، مستشهدا بأزمتي "جرينسيل" و"أرشيجوس" في العام الماضي. أضاف: "بعضهم يؤتي ثماره لفترة، لكن الأمر مثل لعبة الروليت الروسية - الرصاصة السادسة تقتلك دائما".