تريد التفوق؟ لا تتبع القطيع
في بداية مسيرتي المهنية، تعلمت الدرس الرئيس عن كسب المال، المستند إلى فرضية كفاءة السوق التي تنص على أن أسعار الأصول تعكس جميع المعلومات الموجودة. وإذا كنت تسعى إلى تحقيق نتائج استثمار ممتازة، فعليك أن تستثمر في أشياء لم يتجمهر الآخرون عليها. بعبارة أخرى، عليك أن تفعل شيئا مختلفا.
لكن في سوق تتسم بالكفاءة المعتدلة، فإن كل ما تفعله للابتعاد عما تم الإجماع عليه، سعيا منك إلى تحقيق عوائد أعلى من المتوسط، من المحتمل أن ينتج عنه عوائد أقل من المتوسط إذا تبين أن ابتعادك هذا كان خطأ. زيادة وزن الشيء مقابل إنقاصه؛ التركيز مقابل التنويع؛ الإمساك بشيء مقابل البيع. أنت تكسب عندما تتخذ القرار الصحيح وتخسر عندما تكون مخطئا.
بالتالي، يتعين على المستثمرين الإجابة عن السؤال الذي يجب أن يكون أساسيا للغاية: هل (أ) تسعى إلى التفوق في الأداء، وهو نهج مكلف ماليا، ونتيجته غير مؤكدة على الإطلاق، ويمكن أن يؤدي إلى انخفاض عائداتك فعليا إلى أقل من المتوسط، أو (ب) ستقبل الأداء المتوسط "الذي يساعدك على تقليل التكاليف، لكنه يعني أيضا أنك ستنظر بعين الحسد عندما يتحدث الفائزون عن نجاحات يسيل لها اللعاب".
إذا اخترت الخيار الأول، فعليك أن تترك القطيع. لكن بعد المغادرة سيكون الاختلاف إيجابيا فقط إذا كان اختيارك للاستراتيجيات صحيحا وكنت قادرا على تنفيذها ببراعة.
باختصار، لا يكفي أن تكون مختلفا. ولا يكفيك حتى أن تكون على صواب. إذا كنت ترغب في أن تتميز من حيث الأداء، عليك أن تكون أكثر صوابا من الآخرين، ما يعني أن تفكيرك يجب أن يكون مختلفا عنهم وأفضل من تفكيرهم. يجب أن تفكر في شيء لم يفكر فيه الآخرون، أو ترى الأشياء التي غابت عنهم، أو أن تتحلى ببعد نظر لا يمتلكونه.
هناك مفهوم في عالم الاستثمار يرتبط ارتباطا وثيقا بالاختلاف: التناقض. "قطيع المستثمرين" يقود أسعار الأوراق المالية إلى نقطة عالية في السوق الصاعدة وأحيانا ينجم عن ذلك نشوء الفقاعات – ويقودها كذلك إلى منطقة السوق الهابطة والانهيارات العرضية. لهذا السبب، قد يكون من المهم أن تنفصل عن القطيع وتتصرف بطريقة معاكسة له.
لكن الأهم من ذلك، هو أن جمهور المستثمرين ليسوا على خطأ دائما، أو مخطئين لدرجة أنه من الصواب دائما فعل عكس ما يفعلونه. بدلا من ذلك، لكي تكون مناقضا ذكيا، عليك أن تعرف ما إذا كان القطيع يفعل شيئا خاطئا، ومن ثم حدد ما يجب أن تفعله حيال ذلك.
أعتقد أن إحدى الطرق التي تجعلك مناقضا ذكيا اليوم هي أن تتخلص من المخاوف قصيرة الأجل، وبدلا من ذلك صب جام تركيزك على توزيع رأس المال على المدى الطويل.
ضع في حسبانك أحد أكثر الموضوعات التي أسأل عنها حاليا: الركود. عندما أسأل عما إذا كنا نتجه نحو الركود، يكون جوابي المعتاد هو أنه عندما لا نكون في حالة ركود، فإننا نتجه نحوه. الأسئلة وحدها التي تهم هي "متى؟" و"ما مدى سوء ذلك؟". هل تعني حقيقة حدوث ركود في المستقبل أن علينا تقليل استثماراتنا أو تغيير تخصيص محفظتنا؟ لا أعتقد ذلك.
منذ 1920، كانت هناك 17 حالة ركود، إضافة إلى كساد واحد كبير، وحرب عالمية وعديد من الحروب الصغيرة، وأوقات كثيرة كان القلق من حدوث كارثة عالمية يتخللها، والآن الجائحة. مع ذلك، عاد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمعدل 10.5 في المائة سنويا في المتوسط على مدار أكثر من قرن مضى. هل كان بإمكان المستثمرين تحسين أدائهم من خلال الدخول إلى السوق والخروج منها لتجنب بؤر المشكلات هذه أم أن القيام بذلك كان سيقلل من أدائهم؟
الأهم من ذلك، حتى لو اعتقدنا أننا نعرف ما هو مخبأ لنا فيما يتعلق بأمور مثل التضخم والركود وأسعار الفائدة، فلا توجد طريقة لمعرفة ما إذا كانت أسعار السوق قد جسدت هذه التوقعات بشكل صحيح، أو ما إذا كانت الأسعار مرتفعة جدا، أو منخفضة جدا.
في النهاية، أعتقد أن معظم المستثمرين يصبون تركيزهم على الأمر الخطأ. ومن أكبر التغييرات التي شهدتها في حياتي المهنية هو التقصير المذهل في آفاق المستثمرين الزمنية. لكن أداء ربع عام أو عام كامل لا معنى له في أحسن الأحوال، كما أنه في أسوأ الأحوال مصدر تشتيت ضار.
لا توجد استراتيجية - ولا مستوى من الذكاء – بمقدوره أن يجعل كل ربع عام أو عام ناجحا. الاستراتيجيات تصبح أكثر فاعلية أو أقل فاعلية مع تغير البيئة وانخفاض شعبيتها. وفي الأغلب ما ينتج الأداء الضعيف بسبب تطورات غير متوقعة وأخرى لا يمكن توقعها.
لذلك لا ينبغي لأحد أن يغير الاستراتيجيات بناء على نتائج قصيرة المدى. إذا انتظرت في موقف للحافلات لفترة طويلة، فمن المؤكد أنك ستستقل الحافلة. لكن إذا انتقلت من محطة إلى أخرى، فقد لا تستقل الحافلة أبدا.
بالتالي، اقتراحي لك هو أن تبتعد عن حشود المستثمرين وأن تركز بدلا من ذلك على الأشياء المهمة حقا.