رسالة لبنوك وول ستريت .. لا تضغط على زر الحذف

رسالة لبنوك وول ستريت .. لا تضغط على زر الحذف

لا ينبغي أن يكون الاحتفاظ بالمستند أمرا صعبا. كانت الحكومات والشركات تعلم منذ فترة طويلة أن عليها تسجيل الاتصالات المهمة والاحتفاظ بها ليس فقط للأجيال اللاحقة، لكن لأغراض كالنزاعات القانونية والشؤون التنظيمية. ومع انتقال المحادثات من القلم والورقة إلى الفاكس والهاتف ثم البريد الإلكتروني، كذلك فعلت المتطلبات القانونية.
أوه، كيف اشتكى الوسطاء في المملكة المتحدة في أوائل العقد الثاني من هذا القرن بشأن التكاليف والتعقيدات عندما بدأ المنظمون في المملكة المتحدة يطالبونهم بتسجيل المحادثات التي تجري على الهاتف المحمول. لكنهم تكيفوا معها.
ها قد عدنا مرة أخرى الآن. سيتي بنك ومورجان ستانلي وبعض البنوك الأخرى في وول ستريت قالت هذا الشهر إنها تتوقع دفع 200 مليون دولار عن كل منها بسبب عدم احتفاظها بالرسائل النصية والمحادثات الواردة عبر تطبيق واتساب إلى الهواتف الشخصية للمصرفيين. اعترف بنك جيه بي مورجان تشايس، الذي تم ضبط الشتاء الماضي، أنه لم يحتفظ بعشرات الآلاف من الرسائل. وزعم ممثلو الادعاء هذا الأسبوع أن مصرفيا سابقا في جولدمان ساكس سعى إلى حذف رسائل نصية يزعم أنه ناقش فيها معلومات سرية داخلية عن التداول. لكنه نفى ارتكاب أي مخالفة.
بغض النظر عن القطاع، هذا أمر سخيف. المصرفيون يستخدمون الرسائل النصية وتطبيق واتساب منذ أعوام، وقد حظر بعض المقرضين استخدام مثل هذه التطبيقات على هواتف العمل. مع ذلك، لا يبدو أن أحدا فكر في المخاطر التي تجلبها الأجهزة الشخصية، حتى بعد ما جعل العمل من المنزل أثناء الجائحة أمر الإشراف أكثر صعوبة.
تنبع هذه الإخفاقات جزئيا من الفجوات المعرفية: نادرا ما تكون دوائر الامتثال على دراية متعمقة بالتكنولوجيا، وغالبا ما تفتقر أقسام تكنولوجيا المعلومات إلى فهم المخاوف التنظيمية. لكن هناك فشل آخر من صنع البشر. يفضل معظم الناس فعل كل ما هو ملائم لهم أو ما يجنبهم الإحراج. إذا لم يكن ذلك مطلوبا، فلماذا تنفق الأموال أو تبذل الجهود لحفظ الاتصالات التي قد لا تظهرك وزملاؤك في أفضل حال؟
الردع عن طريق العقاب أمر صعب. الإخفاق في الاحتفاظ بالبيانات افتراضي إلى حد كبير: عندما يختفي الدليل يصبح من الصعب معرفة مدى الجدية في مسألة الإتلاف. لكن القضاة عموما منحوا الشركات ميزة الشك. أشارت المحكمة العليا الأمريكية في تعديل عام 2015 لقوانين المحكمة إلى أنه بسبب "الحجم المتزايد للمعلومات المخزنة إلكترونيا" وتعدد الأجهزة المعنية بذلك "غالبا ما يكون من المستحيل" الاحتفاظ بجميع البيانات ذات الصلة.
وعندما حاول المدعون رفع دعاوى جنائية، لم يكن الأمر بسيطا بالنسبة لهم. انهارت شركة المحاسبة "آرثر أندرسن" بعد اتهامها بإتلاف وثائق تخص مجموعة الطاقة المنهارة "إنرون"، لكن تم التراجع عن إدانتها بعد ذلك بثلاثة أعوام.
حاول المدعون الفيدراليون مرتين وفشلوا في إدانة المصرفي الشهير، فرانك كواتروني، بسبب إرساله رسالة بريد إلكتروني في ديسمبر عام 2000 إلى موظفي كريدي سويس تحمل عنوان "حان الوقت لمسح هذه الملفات"، بعد فترة وجيزة من إخباره أن البنك تلقى مذكرة استدعاء من هيئة محلفين كبرى. لكنهم توصلوا إلى تسوية تم بموجبها إسقاط التهم.
لا بد أن المنظمين الأمريكيين الذين رفعوا قضايا في وول ستريت بقيمة 200 مليون دولار يأملون في أن تحدث هذه الغرامات الكبيرة فرقا.
سلك قاض فيدرالي في مينيسوتا مسلكا آخر في قضية رفعت نيابة عن ضحايا مخطط بونزي احتيالي ينطوي على 3.65 مليار دولار من تصميم توم بيترز، الذي يقضي حاليا عقوبة سجن مدتها 50 عاما. يدعي وصي الإفلاس في الوثائق المقدمة إلى المحكمة أن بنك بيترز "كان متواطئا" في المخطط وأنه "غض الطرف" عن "سلوك ينذر بالخطر". ويريد وصي الإفلاس من بنك أوف مونتريال الذي اشترى بنك بيترز بعد اكتشاف عملية الاحتيال، أن يدفع 1.9 مليار دولار، إضافة إلى الفائدة. لكن بنك أوف مونتريال ينفي مسؤوليته. ومن المقرر عقد محاكمة أمام هيئة محلفين في أكتوبر.
لكن قاض اتحادي وجد مشكلة في مسألة الاحتفاظ بالوثائق. ففي عام 2010، بعد إلقاء القبض على بيترز، لكن قبل عملية استحواذ بنك أوف مونتريال، أوقف البنك أجهزة الخادم ودمر عشرات الأشرطة الاحتياطية رغم أنه طلب منه الاحتفاظ بالأدلة. ثم زاد موظفو بنك أوف مونتريال الخطأ بعد الاستحواذ، بعدم إخبار المحكمة أنهم عثروا عام 2014 على مزيد من الأشرطة الاحتياطية وأن أحدا لم يطلع على مضمونها. ثم بعد العثور على مجموعة ثالثة من الأشرطة عام 2017، لم يخبر موظفو بنك أوف مونتريال المحكمة أو المدعين على الفور وأدلوا بشهادتهم التي وصفتها محكمة الإفلاس بأنها "مضللة".
فرض القاضي ما يسميه بعض المحامين عقوبة الإعدام الاستدلالية. سيتم إخبار المحلفين في القضية أن بنك أوف مونتريال تعمد إتلاف الأدلة التي كان يعلم أنها ضارة بموقفه. قال البنك في بيان إنه "مع كل الاحترام، يختلف" مع ذلك "وسيستمر في الدفاع عن نفسه بقوة".
لكن أي شخص يفكر فيما إذا كان سيستثمر مزيدا من الوقت والمال في حفظ الأدلة، يجب أن يفكر في "عقوبات الإتلاف" التي يواجهها بنك أوف مونتريال. التكنولوجيا تسير على قدم وساق. وعندما يصل أول أمر استدعاء لمحادثة على منصة ميتافيرس، لن يكون الرد بنظرة فارغة خيارا جديرا بالثقة.

الأكثر قراءة