الاضطرابات ودروس من التاريخ «3 من 3»
التاريخ الطويل يبين لنا أنه من الأفضل عدم التمييز بين الفترات التاريخية باعتبارها إما عصور استقرار أو أزمات، أو توازنات أو صدمات. ويستدعي الفنانون الأوكرانيون تاريخ مقاومتهم الثقافية ضد جوزيف ستالين، أواخر العشرينيات والثلاثينيات في كفاحهم ضد الإمبريالية الروسية مجددا. وفي ذلك تذكرة قوية بأن النظام العالمي ليس صنيعة شاغلي المناصب السياسية القيادية العليا. فقد شهدت العشرينيات، أكثر من أي عقد مضى، موجات من الحراك الاجتماعي في مواجهة قضايا دولية تتعلق بالحرب والسلام عبر مختلف الأطياف السياسية. وكان عديد من المنظمات غير الحكومية التي تدعم المدنيين الأوكرانيين المهجرين في الوقت الحالي عبارة عن مجموعات من الناشطين المحليين في الأصل الذين عملوا على مستوى القاعدة الشعبية. وتعكس الأحداث الأخيرة إشارة على وجود تحول قوي مماثل لما شهدناه خلال العشرينيات، حيث تتردد مطالبات العدالة عبر أنحاء عديدة في العالم، ما يتيح الفرصة لإعادة إشراك الرأي العام "وليس النشطاء فحسب" في آليات عمل المنظمات الدولية. وهناك الآن جيل جديد من مؤسسات المعونة التي قامت بالجهود الذاتية التي أصبح لها صوت مسموع ويمكنها المساعدة على تحديد إطار ولغة المحادثات الموسعة حول الإصلاحات اللازمة للتوصل إلى حلول أفضل لتحدياتنا المشتركة.
وبشأن التحول من المحلية إلى العالمية فكيف ينبغي أن تبدو هذه الحلول؟ أكدت الجائحة العالمية أهمية المساعي المحلية لدعم الأغراض العالمية. ففي إطار مكافحة أوبئة التيفود والكوليرا والدرن خلال العشرينيات، نشأت آليات دولية للتعاون العلمي والإنساني استمرت حتى في أوقات الحروب بين الدول. وقامت هذه الممارسات على إدراك للحاجة إلى التزام عالمي بدعم البرامج المحلية والمجتمعية التي تتضمن الدعم الاقتصادي والمالي وتحسين خدمات الرعاية الصحية. وفي 1945، تمخض هذا التاريخ عن مؤسسات عالمية جديدة قامت من أجل حوكمة الصحة والاقتصاد ـ منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية والزراعة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ـ وهو ما يلقي الضوء على واحدة من لحظات عديدة شهدت تحدي ممارسات ومؤسسات الحوكمة العالمية وتفكيكها وإعادة بنائها في أعقاب الصدمات الجديدة.
ومن الصعب للغاية بناء مؤسسات الحوكمة العالمية التعاونية من نقطة الصفر. ففي 1945، تم حل عصبة الأمم التي قامت لخدمة أغراض متعددة لتأتي بعدها مؤسسات ذات غرض واحد تحت مظلة الأمم المتحدة، ما قد يشير إلى أن عناصر وأشكال الحوكمة ـ الصحة والغذاء والمالية والتجارة والجغرافيا السياسية والشعوب المهجرة وتغير المناخ ـ مختلفة، وإن كانت ليست كذلك كما اتضح من أحداث الأعوام القليلة الماضية، ولا سيما جائحة كوفيد - 19 والحرب في أوكرانيا. وإدراك الروابط بين القضايا الاقتصادية والاجتماعية ينبغي أن يكون عنصرا أساسيا في الجهود المستقبلية الهادفة إلى كبح التوترات الجغرافية ـ السياسية المتصاعدة. وعند التخطيط للمستقبل ـ وهو أمر يتحتم علينا القيام به ـ يتعين أن نولي اهتماما مماثلا لطبيعة التفاعل بين الصدمات، مثل تهجير السكان والأمراض والنزاعات الجغرافية ـ السياسية وتغير المناخ والتحولات الحادة الناتجة عن الابتكارات التكنولوجية، وكيفية إشراك مختلف الوكالات والدول في التصدي لها وتنسيق هذه المشاركات. وينبغي ألا تترك مهمة إدارة هذه الصدمات لمؤسسات فردية، مثل منظمة حلف شمال الأطلسي أو صندوق النقد الدولي.