التضخم .. ماذا نفعل وينبغي أن نتجنب «4»
الأسوأ من هذا أن عديدا من هذه المخاطر كان من الممكن توقعها ـ وقد توقعناها بالفعل. لنتأمل هنا اعتماد أوروبا المفرط على الغاز الروسي. لقد حذرنا عديد من خبراء الاقتصاد من مخاطر الافتقار إلى التنوع، خاصة مع استمرار تركيز السوق في قطاع الطاقة بلا هوادة. والآن، تبرر روسيا هذه التحذيرات بوحشيتها رغم أن بعض الصدمات الأخيرة كانت لتحدث في كل الأحوال، فقد تفاقمت تأثيراتها بفعل فلسفة سياسية واقتصادية تضع مصالح الشركات والحلول "القائمة على السوق" في المرتبة الأولى من الأهمية.
الواقع أن عديدا من أكبر المشكلات اليوم ـ والعواقب التي تخلفها على المواطنين العاديين ـ لا يمكن التصدي لها وعلاجها إلا من خلال عمل جماعي متضافر. وهي تستلزم سياسات حكومية تهدف إلى تقييد تركيز قوة السوق وتشجيع قدر أعظم من التنوع والفـكر الأبعد أمدا "من خلال الهياكل الضريبية وقوانين حوكمة الشركات"، كما تستدعي الاستعانة باستراتيجيات صناعية تدرك أهمية الحدود والمخاطر الحقيقية التي نواجهها.
وحول الأعين على الإمدادات فإنها تتطلب قيود جانب العرض البحث عن حلول على جانب العرض، التي لم يحظ كثير منها بالقدر اللائق من الاهتمام. مثل هذه التدابير من شأنها أن تفعل كثيرا لترويض التضخم، كما قد تفعل الزيادات المحدودة في أسعار الفائدة، وهي لن تأتي على حساب العمال والاقتصاد في عموم الأمر.
في التصدي للقضايا المرتبطة بالمعروض من العمالة، ينبغي لصناع السياسات أن يفكروا في إصلاح الهجرة، والاستثمار في رعاية الأطفال، وزيادة الحد الأدنى للأجور، والتشريعات اللازمة لجعل محل العمل أكثر جاذبية، خاصة للنساء وكبار السن. لإصلاح قطاع الإسكان، نحتاج إلى تشجيع تحويل المساحات المكتبية الشاغرة إلى وحدات سكنية. وفي التعامل مع أزمة الطاقة الحالية "وأزمات الطاقة في المستقبل"، نحتاج إلى استثمارات عامة أكبر كثيرا في الطاقة الخضراء والضمانات الحكومية لأسعار النفط ـ مزيج السياسات الكفيل بتشجيع الإنتاج عندما يحدث نقص.
نحتاج أيضا إلى قوانين منافسة أقوى، حتى لا يكون لدى الشركات الحافز لتقليص الإنتاج كوسيلة لتعظيم أرباحها.
في المقام الأول من الأهمية، يتعين علينا أن نساعد من هم عند القاع وفي الوسط على التعامل مع العواقب المترتبة على التضخم. ولأن الولايات المتحدة توشك أن تصبح مستقلة في مجال الطاقة، فإن البلد ككل لم يتأثر نسبيا بتغير أسعار الطاقة "تعوض خسائر المستوردين ببساطة عن مكاسب المصدرين". لكن الأمر لا يخلو من مشكلة ضخمة ترتبط بالتوزيع. تجني شركات النفط والغاز مكاسب غير متوقعة، في حين يناضل المواطنون العاديون لتغطية نفقاتهم الضرورية. وسيكون "خصم التضخم"، الممول بضريبة تفرض على الأرباح غير المتوقعة التي تجنيها شركات الوقود، كافيا لمعالجة أوجه التفاوت هذه بكفاءة.
لقد أنتج تضخم اليوم رابحين كبارا وخاسرين كبارا، مع تركز الرابحين على قمة جدول توزيع الدخل والثروة، وانزلاق الخاسرين إلى القاع. هذه الحال ليست حتمية، وينبغي لها ألا تستمر بعد الآن.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2022.