الاضطرابات ودروس من التاريخ «2 من 3»
التاريخ الطويل يبين لنا أنه من الأفضل عدم التمييز بين الفترات التاريخية، باعتبارها إما عصور استقرار وإما أزمات، أو توازنات أو صدمات، وهذا هو الدرس الأول والأكثر إلحاحا.
فالنصف الأول من القرن الـ20 لم يكن مرحلة من الصدمات اللانهائية، كذلك الحال بالنسبة إلى فترة الحرب الباردة التي نعمت بقدر من الاستقرار - نظام عالمي تحددت معالمه في ظل قوتين عظميين، وهما الولايات المتحدة واتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية، وأشرفت عليه وأدارته مجموعة من المؤسسات العالمية في إطار متناغم. ونرى تعقيدات أكثر عمقا بالمثل خلال المرحلة التي أصبحت فيها الولايات المتحدة القطب الأوحد في أعقاب الحرب الباردة. ونشهد في الوقت الحالي تحولا جديدا في مسار القوى، لكنه ليس في مصلحة الصين فحسب، التي تقل احتمالات تحولها إلى قوة مسيطرة وحيدة في القرن الـ21 مقارنة بالولايات المتحدة في القرن الـ20. وينبغي أن تركز المناقشات حول إدارة الصدمات المستقبلية على التحديات الناجمة عن تعددية الأقطاب والتوزيع غير العادل للموارد والقوى العالمية.
وليتنا نعد أن مشكلتنا تكمن في كيفية إدارة الاضطرابات بدلا من النظر إلى كل صدمة بمعزل عن الأخرى. ويشجعنا ذلك على تجنب التفرقة بين الاستقرار والتغيير، ودراسة الأطر الزمنية المختلفة لكل منهما، وإدراك العلاقة بين مختلف أنواع الصدمات. فعلى سبيل المثال، سيساعدنا ذلك على إدراك طبيعة الانقطاعات الحالية في إمدادات الغذاء والأسمدة في أوكرانيا التي ستستمر تبعاتها طويلا بعد انتهاء الحرب. وهذا ما حدث بعد 1918 عندما تمكنت الولايات المتحدة من النفاذ سريعا إلى الأسواق الخارجية لتشهد بعدها حالة من الكساد بعد الانتعاش استمرت تداعياتها على أسعار القمح في أمريكا الشمالية، وامتد تأثيرها إلى السياسة التجارية والعلاقات الدبلوماسية للولايات المتحدة. كذلك استمرت الآثار الناتجة عن تهجير السكان عقب الحربين العالميتين. وبعد مرور عقد أو يزيد على انتهاء هاتين الحربين، أصبحت الأعداد الكبيرة من مواطني أوروبا الوسطى والشرقية الذين تم تهجيرهم وظلوا يعيشون داخل مخيمات مؤقتة أمرا منسيا إلى حد كبير في الغرب. وستكون حالة التضامن الأوروبية في خطر كبير إذا ما تركت دول مثل بولندا للتعامل وحدها مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي ستستمر لبعض الوقت.
ويتمثل أحد الدروس الأساسية - إن لم يكن أهمها - المستفادة من فشل التعاون الدولي والحوكمة العالمية خلال المرحلة التي سبقت الحرب العالمية الثانية في المركزية المطلقة للاقتصاد السياسي. فقد كانت هناك جهود مستمرة للترويج لمعايير وممارسات دولية جديدة لتيسير التنسيق والتعاون خلال العشرينيات والثلاثينيات بين الديمقراطيات الليبرالية. وكان هذا التاريخ المشترك - والفهم الناتج عنه - بمنزلة حجر الأساس الذي قام عليه النظام الجديد. وبدأ التخطيط له مبكرا في 1940. وينبغي ألا يغيب ذلك عن ذاكرة الدبلوماسيين في القرن الـ21، حتى إن احتلت القضايا الجغرافية - السياسية المشهد بالضرورة على المدى القصير... يتبع.